المصدر: المدن
الكاتب: منير الربيع
الاثنين 12 كانون الثاني 2026 00:38:33
لم تتكشف حتى الآن كل التفاصيل المتعلقة بزيارة وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي إلى بيروت، لا سيما أن توقيتها بالغ الحساسية على وقع اتساع رقعة التظاهرات في إيران وزيادة منسوب التهديدات الأميركية والإسرائيلية بالتدخل لتغيير النظام أو وجهته. لكن الزيارة لا تنفصل عن سياق الزحمة الديبلوماسية التي سيشهدها لبنان في الأيام المقبلة، فإيران تريد أن تحافظ على حضورها في لبنان وشراكتها في أي صيغة تسوية للمرحلة المقبلة، لذا غلب الجانب السياسي والاقتصادي على غيره من الملفات التي بحثت خلال الزيارة. وهذا بحد ذاته يحمل مؤشراً على استعداد إيران للنقاش بملفات سياسية واقتصادية بعيداً عن مسألة السلاح.
عراقجي وبزشكيان
تعرف إيران أن لبنان هو محطة أساسية يمكن من خلالها التواصل أو التقاطع أو تبادل الرسائل مع جهات دولية وإقليمية عديدة، ولذا فإن زيارة عراقجي لا تنفصل عن هذا السياق كما أن الرجل مع الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان من المقبولين بالنسبة إلى الولايات المتحدة الأميركية والغرب، ويمكن أن يكون لهما دور بارز على مستوى أي تحولات أو تغييرات ستشهدها إيران في المرحلة المقبلة، ضمن سيناريوهات البحث عن حلول لتفادي استمرار التحركات أو تطورها إلى صدام بالإضافة إلى تجنب الحرب الإسرائيلية أو الأميركية وتجنب انهيار النظام، لصالح العمل على إحداث تغيير في بنية هذا النظام ووجهته من قبل شخصيات من داخله.
ضرب إيران بديل لحرب لبنان
في اللقاءات السياسية حرص الوزير الإيراني على النقاش السياسي في المرحلة المقبلة، كما ناقش في تطورات الأحداث في إيران، وسعى إلى التقاط الكثير من الإشارات التي قد تكون تجمعت لدى المسؤولين اللبنانيين حول كيفية التعاطي مع تطورات إيران في المرحلة المقبلة. يأتي ذلك في ظل تداول معلومات في لبنان عن أن المسؤولين اللبنانيين قد تلقوا إشارات ورسائل تفيد بأنه لن يكون هناك عملية عسكرية إسرائيلية واسعة في لبنان تصل إلى حدود الحرب، حتى وإن استمرت إسرائيل بتوجيه ضرباتها العسكرية المتقطعة، وهذه الضربات التي تتركز على مناطق شمال الليطاني هدفها الضغط على حزب الله والدولة اللبنانية لاستكمال مسار سحب السلاح، ولمنع حزب الله من الانخراط إلى جانب إيران في حال تعرضها لحرب جديدة. وبحسب المعلومات فإن جهات دولية عديدة طلبت من لبنان إقناع حزب الله بأن يحيد نفسه عن أي عملية عسكرية ستتعرض لها إيران ولا ينخرط بها. وبحسب المؤشرات لدى مسؤولين لبنانيين فإن الاتجاه هو لتوجيه ضربة ضد إيران من دون الدخول في حرب إسرائيلية على لبنان.
تصعيد متدرج
من الواضح أن الإسرائيليين تدرجوا في تصعيد ضرباتهم في لبنان، ويمكن أن يعملوا على تسويق فكرة أن هذه الضربات هدفها أيضاً القضاء على القدرات العسكرية لحزب الله ومنعه من الانخراط في أي عملية دفاعية عن إيران. ويأتي ذلك في ظل النقاشات التي بدأت عن احتمال لجوء إيران والحزب للقيام بعملية استباقية ضد الإسرائيليين. هذه الضربات يمكنها أن تستمر بشكل متدرج ويضعها الإسرائيليون في خانة الضغط على الحزب والدولة اللبنانية لاستكمال المرحلة الثانية من خطة سحب السلاح.
فرنسا والسعودية وقطر
في موازاة ذلك، لا يمكن فصل النقاش السياسي الواسع الذي يأخذ مداه في لبنان والخارج، خصوصاً مع انتظار جولة لمسؤولين من دول عديدة، ولا سيما الموفد الفرنسي جان إيف لودريان، والموفد السعودي يزيد بن فرحان، مع احتمال زيارة سيجريها وزير الدولة في وزارة الخارجية القطرية محمد بن عبد العزيز الخليفي، وعقد لقاءات مع المسؤولين في إطار المساعي الدولية للوصول إلى صيغة تسوية سياسية شاملة تتضمن موافقة الجميع على حصر السلاح بيد الدولة، والالتزام بتطبيق اتفاق الطائف. في مقابل السعي إلى تحصيل ضمانات واضحة بوقف الاعتداءات الإسرائيلية، والانسحاب وإعادة الإعمار وعودة السكان إلى أراضيها ومنازلها.
شخصيات أميركية
عملياً، هذا النقاش يأخذ مداه في التوسع على المستويين الداخلي والخارجي، وعلى أكثر من خط بين حزب الله من جهة والمسؤولين اللبنانيين من جهة أخرى. وهذا كان جزءاً من لقاءات عقدها مسؤولون من حزب الله مع جهات داخلية وخارجية أيضاً. وسط رسائل واضحة تلقاها الحزب عن ضرورة التخلي عن فكرة السلاح مقابل البحث عن حل سياسي وعن الحفاظ على دوره وموقعه وتأثيره في المعادلة اللبنانية. حتى وصل الأمر ببعض الشخصيات الأميركية التي قالت بوضوح إنه يجب على الحزب التفكير بكيفية الخروج من منطق السلاح مقابل البحث عن هذه التسوية السياسية.
الإيرانيون على الخط
قبل سنوات ومع بداية انخراط الحزب في حرب الإسناد، حصلت نقاشات كثيرة بين مسؤولين أميركيين مع المسؤولين اللبنانيين وتم إيصال رسائل غير مباشرة للحزب حول كيفية الخروج من هذه الحرب وإنهاء مفاعيل السلاح مقابل الانخراط بتسوية سياسية تعزز وضعه السياسي، لكن الحزب رفض ذلك يومها. كما أن الإيرانيين ناقشوا وبحثوا الكثير من الاحتمالات حول مستقبل النظام اللبناني والضمانات التي يحتاجها حزب الله في حال تغيرت الظروف والوقائع. وفي أحد اللقاءات بين مسؤولين إيرانيين ومسؤولين دوليين لمناقشة الوضع الإيراني، طرح الإيرانيون الكثير من الأفكار المتعلقة بكيفية تعزيز وضعية حزب الله السياسية في الداخل وفي بنية النظام اللبناني.
ما المكتسبات؟
حزب الله عملياً لم يعد يمانع حصر السلاح بيد الدولة، لكنه في البداية يطالب بوقف الاعتداءات الإسرائيلية، والانسحاب وإعادة الإعمار، ويطرح مسألة الاستراتيجية الدفاعية أو استراتيجية الأمن الوطني والتي تعني ضمناً التفاهم على صيغة لحصر السلاح بيد الدولة. وجزء من النقاشات المتجددة حالياً يتصل بإمكان دمج فرق عسكرية من الحزب في الدولة اللبنانية، بالإضافة إلى الحصول على ضمانات سياسية تحت سقف الطائف، نظراً لعدم رغبة الأطراف الإقليمية والدولية في تعديل الطائف. ولكن من بين الضمانات أو المكتسبات مثلاً، إلى جانب الاستراتيجية الدفاعية، احتمال طرح تفاهم على أن يكون رئيس الأركان من الطائفة الشيعية، أو حصول مداورة في هذه المواقع والمناصب، وربما استحداث منصب نائب لرئيس الجمهورية، وتثبيت وزارة المال من حصة الطائفة الشيعية مثلاً، بالإضافة إلى التفاهم على قانون الانتخاب. وتبقى كل هذه النقاشات خاضعة للتعديل والتغيير، لكن الأهم يبقى هو أن هذه الضمانات ستكون مقابل تغيير الوجهة اللبنانية ككل في سياق إنهاء حالة الصراع مع إسرائيل.