الخسائر منذ الحرب الاخيرة على لبنان

يمر الاقتصاد اللبناني بأعنف صدمة هيكلية له منذ عقود، إذ تشير التقديرات الرسمية الى أن إجمالي الخسائر المادية والاقتصادية المتراكمة جراء الاعتداءات الإسرائيلية المستمرة قد تجاوز عتبة 27 مليار دولار أميركي. 


يأتي هذا الرقم الصادم بعد أشهر من العمليات العسكرية البرية التي أدت إلى تدمير ممنهج واحتلال مباشر لعدد من القرى والبلدات الحدودية في جنوب لبنان، مما أخرج مساحات إنتاجية شاسعة من الدورة الاقتصادية وعمّق من معاناة بلد لم يتعافَ بعد من أزمته المالية الممتدة منذ عام 2019. 


بعد مؤشرات استقرار نسبي ونمو متواضع سجله الاقتصاد اللبناني في عام 2025، أدت جولة التصعيد الأخيرة إلى تغيير المسار بشكل جذري. ويتوقع أن ينكمش الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي للبنان بنسبة كبيرة وهو ما يمثل خسارة هائلة في النمو المحتمل مقارنة بسيناريوات الاستقرار التي كانت تتوقع نمواً إيجابياً. وتتزامن هذه التقديرات مع تحذيرات من أن الانكماش قد يتسع مع ارتفاع معدلات التضخم السنوي والبطالة والدمار، إذ تشير البيانات الميدانية إلى أن أكثر من 132 ألف وحدة سكنية تعرضت للهدم الكامل أو تضررت بشكل جسيم يتطلب إزالتها وإعادة بنائها، خصوصاً في بلدات الجنوب، وسهل البقاع، والضاحية الجنوبية لبيروت. هذا الدمار الهائل أفرز أزمة نزوح كبرى شملت أكثر من مليون شخص، مما فرض ضغوطاً خانقة على المالية العامة لتوفير مراكز الإيواء والمساعدات العاجلة، أضف الى ذلك تضرر القطاع الزراعي بشكل كبير الى ما يزيد عن 22.5% من الأراضي الزراعية في البلاد، وذلك انعكس أيضاً بوضوح على القطاعين الصناعي و التجاري بكاملهما، كما تأثر القطاع السياحي الذي طالما اعتمد عليه لبنان قناةً رئيسية لتدفق العملات الأجنبية.

وتشير البيانات الاقتصادية إلى انخفاض حركة الوافدين بنسبة 26%، مع انخفاض نسب إشغال الفنادق والمجتمعات السياحية إلى مستويات غير مسبوقة والذي أثر بشكل كبير في التحويلات الخارجية من المغتربين.


يواجه لبنان اليوم معضلة وجودية مزدوجة: فمن ناحية، يرزح تحت وطأة مالية كبيرة غير قادر على مجاراتها، ومن ناحية أخرى، يصطدم بغياب الدعم المالي الدولي والمتعلق بالشروط الصارمة المرتبطة بإقرار إصلاحات هيكلية جذرية في القطاع المصرفي وإعادة هيكلة الفجوة المالية، كل ذلك في ظل استمرار السيطرة العسكرية على أجزاء من الشريط الحدودي وتواصل النزيف الاقتصادي اليومي، تبقى هذه الأرقام مرشحة للارتفاع، واضعة مستقبل التعافي الاقتصادي في البلاد على المحك.