المصدر: Kataeb.org
الكاتب: بطرس الخوري
الجمعة 6 شباط 2026 09:02:24
شكّل مطلع القرن الحادي والعشرين مرحلة مفصلية في تاريخ لبنان المعاصر، اذ دخلت البلاد في سلسلة متلاحقة من التحولات السياسية والأمنية والأقتصادية التي أعادت صياغة بنيته الداخلية وعلاقاته الأقليمية. فمن انسحاب الجيش الأسرائيلي من الجنوب عام 2000، مروراً بأغتيال الرئيس رفيق الحريري وما تبعه، والأنهيار المالي الشامل بعد عام 2019، وصولاً الى حرب 7 اوكتوبر والتوترات الأقليمية المتصاعدة، عاش لبنان حالة من عدم الأستقرار المزمن ساهمت في تشكيل واقع جديد.
المرحلة الأولى (2000-2005) التي تعتبر مرحلة التحرير والتحوّل، ففي بداية القرن، ادى انسحاب اسرائيل من جنوب لبنان في أيار من العام 2000 الى تحوّل كبير في الخطاب السياسي، اذ عزز دور المعارضة اللبنانية، وكان نداء المطارنة الموارنة الشرارة التي أشعلت معركة تحرير البلد من سطوة الجيش السوري، وأمّن هذا النداء الغطاء والحاضنة لمناخ سياسي معارض، فتشكّل لقاء قرنة شهوان في العام 2001، وفي نفس العام حقق البطريرك صفير مع النائب وليد جنبلاط المصالحة التاريخية المسيحية الدرزية في الجبل، طاوياً بذلك صفحة الماضي الأليم.و كانت محاولة أغتيال النائب مروان حماده في تشرين الأول 2004 الحلقة الأولى من سلسلة اغتيالت طاولت سياسيين وصحافيين وأمنيين، بعد هذه المحاولة تشكّل لقاء البريستول الذي ضمّ اليه المعارضة المسيحية،المتمثلة بلقاء قرنة شهوان، ومعارضة اسلامية، تمثلت بالنائب وليد جنبلاط وبعده بتيار المستقبل.
بلغت الأزمة السياسية ذروتها، مع صدور القرار 1559 الذي نصّ على انسحاب جميع الجيوش الأجنبية من لبنان، وعلى نزع سلاح جميع الميليشيات، اتى الرد بالتمديد للرئيس أميل لحود، وصولاً الى اغتيال رئيس الوزراء رفيق الحريري في شباط 2005. وهو حدث أدى الى انقسام حاد داخل المجتمع اللبناني، وولادة اصطفافين سياسيين 8 و 14 أذار، وقد أسهمت التظاهرات الشعبية الواسعة انذاك، في انسحاب الجيش السوري من لبنان في نيسان 2005.
كما شهد هذا العام، اغتيال الصحافي سمير قصير في حزيران، وجورج حاوي في نفس الشهر، ومحاولة اغتيال الوزير الياس المرّ في تموز، ومحاولة اغتيال الأعلامية مي شدياق في أيلول، وأغتيال النائب والصحافي جبران التويني في 12 كانون الأول 2005. انتهى العام ودخلت البلاد في مرحلة جديدة من التحولات السياسية الحادة.
المرحلة الثانية (2006-2016) اتّسمت بالأنقسام السياسي الحاد والشلل المؤسسي وتراكم الأزمات. فقد شهد العام 2006 على حرب بين حزب الله وأسرائيل، عُرفت بحرب تموّز، كلّفت لبنان أثماناً أقتصادية وبشرية واجتماعية باهظة، وتحوّل بعدها حزب الله من مقاومة بوجه اسرائيل الى فريق مسلّح يقود انقلاب سياسي وأمني في الداخل يعوّض من خلاله الغياب السوري بعد انسحابه.
أكملت سبحة الأغتيالات السياسية، من الشيخ بيار الجميّل في 21 تشرين الثاني 2006، الى النائب وليد عيدو في حزيران 2007، والنائب في حزب الكتائب أنطوان غانم في العام نفسه، واللواء في الجيش اللبناني فرنسوا الحاج في كانون الأول، والرائد في قوى الأمن الداخلي وسام عيد في كانون الثاني 2008، وأغتيال اللواء وسام الحسن، رئيس شعبة المعلومات، في تشرين الاول 2012، وصولاً الى اغتيال الوزير محمد شطح في كانون الاول 2013.
في 7 أيار 2008 ادى أجتياح، حزب الله وحلفائه المسلحين، بيروت والجبل الى استكمال انقلابه السياسي وتغليب السلاح على النظام والمؤسسات، وتغيير في التموضعات السياسية، واتفاق الدوحة وبدعة الثلث المعطّل، وعند انتهاء عهد الرئيس ميشال سليمان، دخلت البلاد في فراغ دستوري لمدة سنتين، انتهى بتسوية سياسية أوصلت ميشال عون، حليف حزب الله، الى رئاسة الجمهورية، وابتداء مشوار الانهيار.
شكّلت المرحلة الثالثة (2016-2024) تتويجاً لمسار الانحدار، والأنقسام السياسي، والشلل المؤسساتي، والتراجع الأقتصادي الذي كان السبب الأساس لأطلاق شرارة الثورة في 17 تشرين الأول 2019 رفضاً للفساد والتردّي الأقتصادي والأجتماعي، فسقطت حكومة سعد الحريري، وتشكّلت حكومة من لون سياسي واحد، فريق 8 أذار، إتخذت قراراً بالتخلّف عن سداد ديون الدولة، ما ادى الى أكبر انهيار في النظام المالي، وتراجع قيمة العملة الوطنية بشكل غير مسبوق، وانهيار النظام المصرفي، وحجز ودائع الناس، وجاء انفجار مرفأ بيروت في 4 أب 2020 ليضاعف حجم الأزمة، وتزامن ذلك مع جائحة كورونا ما زاد من تعقيد الأمور وادى الى ارتفاع كبير في معدلات الفقر والهجرة.
دخل الرئيس ميشال عون قصر بعبدا بعد فراغ دام سنتين تقريباً، وخرج منه بفراغٍ سيدوم اكثر من سنتين بقليل، استلمت البلاد حكومة الرئيس ميقاتي التي واجهت أخطر وأكثر مرحلة تحويلية في تاريخ لبنان والمنطقة، كانت بدايتها في 7 اوكتوبر 2023، ولا تزال تداعيتها الى يومنا هذا، دخل حزب الله الحرب بحجة اسناد حماس وغزة، وتعرّض لبنان، مرّة أخرى، الى القصف والدمار، والنزوح والخراب، حتى حزب الله، لم يسلم أمينه العام، ولا كوادره القيادية بأغلبيتها، من الأغتيال. بعد سنة وشهر تقريباً، دخل اتفاق وقف اطلاق النار في تشرين الثاني 2024، بين لبنان واسرائيل، حيز التنفيذ.
في 9 كانون الثاني 2025، انتُخب العماد جوزف عون رئيساً للجمهورية، ومع انتخابه بدأت مرحلة جديدة في تاريخ لبنان واللبنانيين، ففي شباط، من العام نفسه، تشكّلت حكومة الرئيس نواف سلام، وفي أيار جرت الأنتخابات البلدية بعد تأجيل دام ثلاث سنوات، وبدأت الحكومة بمسار الاصلاحات، وأقرت التعيينات، وألتزمت بحصر السلاح بيد الشرعية، فتمّ تسليم السلاح من المخيمات الفلسطينية، وأصبح جنوب الليطاني أيضاً خالٍ تقريباً من السلاح، وأكدت الحكومة في قراراتها الصادرة على متابعة حصر السلاح على كل الأراضي اللبنانية بيد الجيش بخطة واضحة، ولعّل الحدث الأبرز في هذه السنة، كان زيارة البابا لاوون الرابع عشر الى لبنان لمدة ثلاثة أيام.
تستكمل هذه المرحلة رحلتها، عبر انتخابات نيابية، وما ستفرز من نتائج على صعيد الكتل والتحالفات، والأغلبية والأقلية في البرلمان، ولا شكّ ان الأمل في الرئيس جوزف عون كبير، لمتابعة هذا المسار وتطبيق ما ورد في خطاب القسم ، الذي وإنّ نُفذّ نصفه، ينقل البلاد الى مرحلة التعافي والنهوض والأستقرار.
ويبقى مستقبل لبنان مرهوناً بقدرته عل تحقيق اصلاحات بنيوية تتوافق مع متطلبات السيادة والشفافية والتكامل مع المحيط الأقليمي العربي والدولي.