الست سلمى

برحيل الست سلمى، والدة الشهيد والمفكّر اللبناني لقمان سليم يخسر لبنان سيّدةً من طرازٍ نادر؛ امرأةً عاشت في الظلّ، لكن أثرها كان في الضوء. لم تكن مجرّد أمّ لاسمٍ لامعٍ في الفكر والسياسة، بل كانت جذر الحكاية، وأصل الصلابة، ومخزن القيم التي صنعت شخصيةً واجهت الرصاص بالكلمة، والخوف بالفعل الثقافي الحرّ.

زوجة المحامي محسن سليم… بيت القانون والكلمة

لم تكن الست سلمى فقط أمّ لقمان، بل كانت أيضًا زوجة المحامي الراحل محسن سليم، الذي تولّى الدفاع عن الصحافي الشهيد كامل مروة. في هذا البيت، تلاقت الكلمة بالقانون، والصحافة بالعدالة، والسياسة بالمسؤولية الأخلاقية.

الدفاع عن كامل مروة لم يكن قضية عابرة في سجل المحاماة اللبنانية، بل محطةً تختصر صراعًا بين الرأي والرصاص، بين حرية التعبير ومحاولات إسكاتها. وفي هذا المناخ نشأ لقمان سليم، محاطًا بسرديات العدالة، ومشبعًا بإرثٍ يرى في الكلمة مسؤولية لا امتيازًا.

كانت الست سلمى شريكة هذا المسار. زوجة رجل قانون آمن بأن العدالة واجب، وأمّ رجل آمن بأن الحرية قدر. وبين الاثنين، تشكّلت شخصيةٌ حملت همّ الذاكرة، واشتغلت على نبش المسكوت عنه، ولو كان الثمن باهظًا.

الأمّ التي صنعت المعنى

في سيرة الكبار، غالبًا ما يُبحث عن لحظة التحوّل، عن المدرسة أو الكتاب أو المنعطف السياسي. لكن في حالة لقمان سليم، تبدو الأمّ هي اللحظة المؤسّسة. ربّت أبناءها على السؤال لا على التسليم، وعلى الجرأة لا على المواربة، وعلى محبّة الوطن بما هو مساحة حرية لا مزرعة خوف.

لم تكن سياسية بالمعنى الحزبي، لكنها كانت سياسية بالقيم. كانت تدرك أن الكلمة موقف، وأن الصمت أحيانًا تواطؤ. ومن بيتها خرج صوتٌ اختار أن يكون خارج السرب، حتى حين كان الثمن باهظًا.

أمّ الشهيد… صبر لا يُرى

بعد اغتيال لقمان سليم عام 2021، تحوّلت الست سلمى إلى صورة أخرى من صور الصمود اللبناني. لم ترفع شعارات، ولم تنخرط في استعراضات الألم، بل واجهت الفاجعة بكرامة نادرة. كانت تعرف أن خسارة الأم لا يُعوّضها خطاب، وأن العدالة قد تتأخر، لكن الذاكرة لا تموت.

في ملامحها كان يمكن قراءة حزنٍ عميق، لكن أيضًا كان يُلمَح اعتزاز بابنٍ لم يساوم. لم تُنكر الخطر الذي كان يحيط به، ولم تطلب له يومًا طريقًا أسهل. كأنها كانت تعرف أن تربية الحرّ تعني القبول بمخاطر الحرية.

بين الخاص والعام

برحيلها، يُطوى فصل من ذاكرة عائلة، لكن أيضًا من ذاكرة مرحلة لبنانية شديدة التعقيد. فالست سلمى لم تكن اسمًا متداولًا في الإعلام بقدر ما كانت ضميرًا صامتًا. حضورها كان يذكّر بأن وراء كلّ شخصية عامة بيتًا، وأمًّا، وتاريخًا من القيم.

في زمنٍ تتآكل فيه المعايير، وتضيع فيه البوصلة الأخلاقية، تمثل سيرتها درسًا بسيطًا وعميقًا: أن تربية الأحرار تبدأ في البيت، وأن الشجاعة ليست قرارًا سياسيًا فقط، بل ثقافة يوميّة تُزرع في الأطفال منذ الصغر.

وداعًا أمّ الحرية

ليس من السهل أن نكتب عن أمّ فقدت ابنها قتلًا، ثمّ غادرت هي أيضًا من دون أن ترى العدالة تتحقق. لكن ربّما يكفي أن نقول إن الست سلمى لم تكن فقط والدة لقمان سليم، بل كانت ابنة مدرسةٍ لبنانيةٍ آمنت بأن الكلمة لا تُقتل، وأن القانون ليس نصوصًا جامدة بل قيمة تُدافع عن الحق.

سلامٌ على روحها، وعلى إرث بيتٍ جمع بين محسن سليم المدافع عن كامل مروة، ولقمان سليم المدافع عن الذاكرة، وعلى أمّ بقيت، حتى رحيلها، عنوان كرامةٍ هادئة لا تنكسر.