السعودية فتحت الأبواب امام منتجات لبنان والمنافسة احتدمت مع المصريين والاتراك

بعد سنوات من الانقطاع، تعود الصادرات اللبنانية إلى السوق السعودية عبر بوابة النقل البري، في خطوة تعيد فتح أحد أهم المسارات أمام المنتجين اللبنانيين، لكنها لا تعني تلقائياً استعادة الموقع الذي خسره لبنان خلال سنوات الغياب. استئناف الحركة عبر معبر المصنع يشكّل فرصة اقتصادية لإعادة تنشيط الصادرات الصناعية والزراعية، إلا أن تحويل هذه الفرصة إلى تدفقات تصديرية مستدامة يبقى مرتبطاً بقدرة لبنان على معالجة كلفة النقل، وتجديد أسطول الشاحنات، وتسهيل حركة السائقين، إلى جانب تعزيز القدرة التنافسية للمنتج اللبناني.

العودة إلى السوق السعودية تأتي في ظل معادلة تجارية مختلفة عما كانت عليه قبل عام 2021. وخلال سنوات الغياب، نجحت منتجات تركية ومصرية وصينية في توسيع حضورها وترسيخ مواقعها داخل السوق، ما رفع سقف المنافسة أمام الصناعة اللبنانية. وبالتالي، لا يخوض لبنان اليوم معركة استعادة سوق فحسب، بل معركة استعادة حصة سوقية فقدها، في وقت أصبحت الأسعار والكلفة عوامل أكثر حسماً في قرارات المستوردين، الأمر الذي يفرض على الدولة والقطاع الخاص مقاربة التصدير كأولوية إنتاجية واقتصادية لا كفرصة ظرفية.

استئناف التصدير يُعيد الأمل

يؤكد نائب رئيس جمعية الصناعيين في لبنان زياد بكداش لـ "نداء الوطن"، أن "استئناف حركة التصدير البري عبر معبر المصنع باتجاه المملكة العربية السعودية يشكّل خطوة إيجابية للاقتصاد اللبناني، ولا سيما للقطاعين الزراعي والصناعي"، مشيرًا إلى أن "نحو 30 شاحنة سلكت الطريق البري باتجاه السعودية". ويعتبر أن "هذه الخطوة من شأنها إعادة تحريك مسار تصديري أساسي، بعدما عادت خطوط التصدير إلى العمل تباعًا عبر الجو والبحر، وصولا اليوم إلى الخط البري".

ويلفت بكداش إلى أن "لبنان تكبّد خسائر كبيرة نتيجة توقف الصادرات إلى السعودية منذ عام 2021"، موضحًا أن "الصناعة اللبنانية كانت تصدّر إلى المملكة آنذاك ما يقارب 250 مليون دولار". ويرى أن "الظروف التشغيلية للصناعة اللبنانية تغيّرت منذ ذلك الحين، خصوصًا مع انخفاض الكلفة التشغيلية بعد تراجع سعر صرف الليرة، إلى جانب توسّع قاعدة الإنتاج وظهور خطوط ومصانع وأصناف جديدة، ما كان يتيح للبنان مضاعفة صادراته، ولا سيما إلى السوق السعودية".

ويشدّد على أن "المطلوب اليوم هو البناء على هذه الخطوة وعدم العودة إلى الوراء"، مؤكدًا أن "استئناف التصدير البري يشكّل تطورًا إيجابيًا للصناعي والمزارع على حد سواء، لأن النقل البري يتيح وصول البضائع مباشرة إلى باب المستورد، ما يعزّز قدرة المنتج اللبناني على خدمة الزبون ومنافسة الموردين الآخرين".

ثلاث عقبات أمام النقل البري

لكن بكداش يحذّر من أن "استعادة حركة التصدير البري لا تزال تصطدم بثلاثة تحديات أساسية تحتاج إلى معالجة سريعة من الدولة".

ويشرح أن المشكلة الأولى ترتبط "بالتأشيرات الممنوحة للبنانيين، في ظل اتفاق النقل القائم بين الدول العربية"، والذي يفرض، وفق ما يوضح، أن "يكون سائق الشاحنة من إحدى الدولتين المعنيتين بخط النقل. وبالتالي، عندما تكون الشاحنة متجهة إلى السعودية، يجب أن يكون سائقها لبنانيًا أو سعوديًا، فيما يواجه اللبنانيون حاليًا صعوبات في الحصول على تأشيرات دخول إلى المملكة، ما يعرقل انسيابية النقل البري".

أما المشكلة الثانية، فتتعلق بأسطول الشاحنات اللبنانية. فبعد توقف الصادرات البرية منذ عام 2021، ارتفع متوسط أعمار الشاحنات اللبنانية، في وقت ينص القانون على ألا يتجاوز عمر شاحنة الشحن 20 عامًا. ويشير بكداش إلى أن "الحكومة مدّدت العمل بهذا السقف لمدة ثلاث سنوات، إلا أن شركات النقل البري تواجه اليوم تحدي تجديد أسطولها، في ظل الظروف الاقتصادية الصعبة وغياب التمويل المصرفي، ما يجعل عملية استبدال الشاحنات مهمة شاقة بالنسبة إليها".

كلفة النقل 

يضع بكداش الكلفة في صدارة التحديات التي تواجه الصادرات اللبنانية، سواء عبر البر أو البحر. ويوضح أن "كلفة الشحن البحري إلى السعودية أصبحت اليوم أقل من كلفة النقل البري، فيما ترتفع كلفة الشحن البحري أيضَا مقارنة بالمستويات التي كانت سائدة سابقَا، الأمر الذي يضغط على القدرة التنافسية للصناعة اللبنانية".

ويشير إلى أن "غياب لبنان عن السوق السعودية منذ عام 2021 أتاح لمنتجين آخرين، ولا سيما المصريين والأتراك، احتلال مساحة واسعة فيها. وبالتالي، فإن المنتج اللبناني لا يعود اليوم إلى سوق اعتادها سابقَا، بل يدخل عمليَا في منافسة مع موردين تمكنوا خلال السنوات الماضية من تثبيت حضورهم وتعزيز حصتهم السوقية".

منافسة تركية ومصرية 

يلفت بكداش إلى أن "المستهلك الخليجي، ولا سيما السعودي، كان يفضّل المنتج اللبناني في السابق، وكان مستعدَا لدفع سعر أعلى بنحو 5 إلى 10 % مقارنة ببعض المنتجات المنافسة. إلا أن دخول المنتجات التركية والمصرية، التي تتمتع بكلفة إنتاج ونقل أكثر انخفاضًا، غيّر معادلة المنافسة ورفع الضغوط على المنتج اللبناني".

يضيف: "أن انتشار المنتجات الصينية على نطاق واسع في السوق السعودية يزيد حدة المنافسة، ما يفرض على الصناعة اللبنانية العمل على خفض تكاليفها إلى أقصى حد ممكن". ويعتبر أن "بعض المصانع قد تضطر، وفق قدرتها، إلى التضحية بجزء من هامش أرباحها أو حتى البيع بالكلفة في مرحلة الدخول مجددًا إلى السوق، بهدف استعادة الحضور وبناء الثقة مع المستوردين السعوديين".

ويؤكد بكداش أن "السوق السعودية تبقى سوقًا واعدة للصناعة اللبنانية، وإن لم تكن السوق الأولى للصادرات اللبنانية، إذ تتصدر الإمارات هذه الوجهة، فيما تمثل السعودية سوقًا كبيرة وذات أهمية استراتيجية".

ويُحذّر في هذا السياق من تكرار تجربة إضاعة الفرص، معتبرًا أن "لبنان أمام فرصة جديدة لاستعادة موقعه في السوق السعودية، لكن العودة لن تكون سهلة، بل تتطلب قدرة تنافسية أعلى واستراتيجية واضحة لاستعادة المستوردين والعملاء الذين اتجهوا خلال السنوات الماضية إلى بدائل أخرى".

عودة الى الصفر

يعتبر بكداش أن "الصناعة اللبنانية تدخل عمليَا إلى السوق السعودية من جديد، وكأنها أمام سوق جديدة، بعد غياب استمر منذ عام 2021. ويعطي مثالا على حجم التحدي بالقول إنه إذا كانت الصناعة اللبنانية تصدّر سابقًا نحو 250 مليون دولار إلى السعودية، فإن تحقيق صادرات بقيمة 125 مليون دولار في عام 2027 سيكون بحد ذاته نتيجة إيجابية، نظرًا إلى أن لبنان يعيد بناء حضوره في السوق من نقطة الصفر تقريبًا.

ويشدد على أن "هذا الواقع يفرض على القطاع الصناعي خوض معركة استعادة السوق تدريجيًا، من خلال تحسين القدرة التنافسية وتقديم الأسعار المناسبة والحفاظ في الوقت نفسه على جودة المنتج اللبناني، بما يسمح باستعادة ثقة المستورد السعودي".

وفي ضوء هذه التحديات، يدعو بكداش إلى "تشكيل وفد صناعي لبناني إلى المملكة العربية السعودية، بهدف التواصل المباشر مع المستوردين وفتح قنوات جديدة أمام المنتجات اللبنانية".

ويؤكد أن "الصناعيين ينظرون بتفاؤل إلى إمكانية استعادة السوق السعودية، وهم مستعدون، بحسب قدراتهم، لتقديم تضحيات على مستوى الأسعار في المرحلة الأولى من أجل إعادة تثبيت حضور المنتج اللبناني، واستعادة ثقة السوق وتأمين الضمانات اللازمة للمستوردين". لكنه يشدد في الوقت نفسه على "ضرورة أن تتحرك الدولة لمعالجة العقبات المرتبطة بالتأشيرات والشاحنات وكلفة النقل، لأن استئناف التصدير البري لا يكتمل بمجرد فتح الطريق، بل يحتاج إلى بيئة نقل وتمويل وتنافسية تسمح للصناعة اللبنانية بتحويل هذه الخطوة إلى مسار تصديري مستدام".

استئناف التصدير البري خطوة إيجابية، لكن نجاحها سيُقاس بما ستنتجه من أرقام فعلية في الصادرات، لا بعدد الشاحنات التي تعبر الحدود في الأيام الأولى. فالصناعة اللبنانية أمام اختبار حقيقي لاستعادة قدرتها التنافسية، فيما المطلوب من الدولة إزالة العوائق التي ترفع كلفة التصدير وتعرقل انسياب البضائع.