السفير السعودي يرسِّخ معادلة لبنان الجديدة: الدولة أولاً، الطائف مرجعية

لم يكن حفل الاستقبال الذي أقامه سفير خادم الحرمين الشريفين لدى لبنان، فهد بن عبد الرحمن الدوسري، لمناسبة اليوم الوطني السعودي في اليرزة، مجرد مناسبة بروتوكولية اعتيادية تفرضها روزنامة العلاقات الدبلوماسية المعتادة. فخلف المشهد الاحتفالي الأنيق وحجم الحضور الرسمي والسياسي، بدت رسائل سياسية واضحة ومُتعمدة تُعيد صياغة ملامح المقاربة السعودية تجاه لبنان: الدولة أولاً، السيادة شرطاً أساسياً، اتفاق الطائف مرجعية ناظمة، والانفتاح العربي والاقتصادي نتيجة حتمية لمسار لبناني مؤسساتي واعد.

• هندسة «الدعوة النوعية»: من الحشود الفضفاضة إلى الفاعلية المؤسساتية

توقف العديد من المراقبين والمتابعين للمشهد الدبلوماسي عند دلالات الانتقاء الدقيق والشديد لقائمة المدعوين؛ إذ لم تكن الدعوات موجّهة بطريقة فضفاضة أو استعراضية كما جرت العادة في مناسبات سابقة، بل صيغت بعناية فائقة واقتصرت على الشخصيات والقيادات ذات الحضور الفاعل والتأثير المباشر والواقعي في القرار السياسي، الاقتصادي، العسكري، والأمني، إضافة إلى المرجعيات الروحية.

ويحمل هذا الأسلوب التنظيمي رسائل سياسية وعملية بارزة:

1.السمت التنفيذي للسفير: يعكس هذا النهج السلوك السياسي الرصين الذي يطبّقه السفير الدوسري، القائم على العمل المؤسساتي المباشر، والابتعاد عن الشكليات والمجاملات والرعايات الفضفاضة.

2.تحويل السفارة إلى منصة قرار: إعادة صياغة مقر اليرزة من مجرد مساحة للحشد العددي التقليدي إلى منصة تلاقٍ سياسي رصينة ونوعية تجمع صناع القرار والقوى المؤثرة فعلياً في رسم مستقبل الاستقرار الوطني.

3.إرساء قواعد جديدة للعلاقة: توجيه إشارة صريحة ومباشرة للفرقاء كافة بأن التعاطي مع المرحلة الحالية يرتكز على الجدية والشفافية والتزام المعايير السيادية والشرعية بعيداً عن سياسات المجاملات والاسترضاءات.

• آلية التنسيق الاستراتيجي: ترجمة عملية ورصينة لرؤية القيادة

تتحرك الدبلوماسية السعودية في لبنان اليوم عبر آلية عمل ثنائية تكاملية شديدة الدقة والفاعلية؛ إذ يعمل السفير الدوسري ميدانياً في بيروت بالتنسيق المباشر واليومي مع الأمير يزيد بن فرحان (مستشار وزير الخارجية للتقييم والملف اللبناني ورئيس اللجنة المختصة بالشأن اللبناني).

ينتج هذا التكامل اليومي خارطة طريق سياسية واستراتيجية واضحة المعالم:

أ. تكامل المهام بين الرياض وبيروت: يمثل الأمير يزيد بن فرحان العقل المخطط والمتابِع لملف لبنان في وزارة الخارجية والدوائر القيادية بالرياض، بينما يمثل السفير الذراع التنفيذي الميداني في بيروت، ما يسمح بقراءة دقيقة ومستمرة للتطورات اللبنانية واتخاذ قرارات مرنة لدعم الاستقرار.

ب. الانفتاح المتوازن والجامع: تجسدت جولة السفير وحضور حفل اليرزة كترجمة عملية لمبدأ «المظلة الجامعة»، حيث ينفتح السفير على مختلف القوى والكتل النيابية والمرجعيات الروحية بعيداً عن الاصطفافات الضيقة، وصولاً إلى إجماع وطني يضمن السلم الأهلي ويرفض خطابات التحريض.

• الحضور الرسمي والأمني: التعامل مع الدولة كعنوان حصري

في اليرزة، لم يكن الحضور تفصيلاً عابراً؛ فتمثيل الرؤساء الثلاثة، إلى جانب رؤساء حكومات سابقين، وقيادات حزبية وسياسية متباينة، وقائد الجيش وكبار المسؤولين الأمنيين والقضائيين والسفراء، أعطى المناسبة بعداً يتجاوز التهنئة البروتوكولية.

-الدولة هي العنوان الوحيد: السعودية لا تعيد بناء علاقتها مع لبنان على قاعدة الاصطفاف خلف فريق سياسي أو استعادة مرحلة المحاور، بل على قاعدة التعامل مع الدولة اللبنانية بكونها العنوان الشرعي والوحيد للعلاقة.

-تقاطع الرؤية مع المؤسسة العسكرية: وجود قائد الجيش والمسؤولين الأمنيين يعكس تقاطُع الرؤية السعودية مع دور المؤسسات العسكرية والأمنية الشرعية القادرة وحدها على حماية الحدود وتطبيق القانون وترسيخ سلطة الدولة.

• السيادة وحصرية السلاح: الكلمة المفتاح للمرحلة

أكّد السفير الدوسري في كلمته أن المملكة «تساند لبنان من أجل استعادة سيادته على أراضيه ومقدراتها كافة». هذه العبارة لا يمكن التعامل معها بوصفها مجاملة دبلوماسية عابرة:

-معنى السيادة الشاملة: استعادة الدولة لقرارها الأمني والعسكري، وتعزيز سلطة المؤسسات الشرعية، وحماية الحدود، وحظر أي مظاهر تتجاوز القرار السيادي الواحد.

-دعم المؤسسات والقرارات الدولية: ترتكز التوجهات السعودية على دعم الجيش والقوى الأمنية الشرعية، والدعوة الصريحة لتطبيق القرارات الدولية (1701 و1559) ومخرجات الطائف، لضمان حصر السلاح بيد الدولة.

-الراهنية الإقليمية: تكتسب هذه الدعوة أهمية استثنائية في ظل التوترات الحدودية الجنوبية وجولات المفاوضات غير المباشرة في روما، لتؤكد الرياض أن حماية البلاد والحدود هي اختصاص حصري للمؤسسات الشرعية اللبنانية.

• اتفاق الطائف: المرجعية الدستورية الضامنة

لم يكن استحضار اتفاق الطائف في كلمة السفير مجرد استعادة تاريخية، بل تذكير بأن علاقة الرياض ببيروت تقوم على إطار دستوري جامع أنهى الحرب الأهلية وأعاد بناء النظام السياسي على قاعدة الوفاق الوطني والشراكة المتوازنة.

حين تستحضر السعودية الطائف، فهي تستحضر معه فكرة لبنان الدولة لا لبنان الساحات، ولبنان التوافق لا لبنان الغلبة. فالطائف في الرؤية السعودية هو الإطار الوحيد لإعادة إنتاج الدولة اللبنانية على أساس المؤسسات والشراكة الوطنية، وليس وثيقة خاضعة للتعديل أو الالتفاف عبر تسويات مؤقتة.

• عودة المظلة العربية من بوابة الدولة والمؤسسات

أظهر حفل اليوم الوطني باليرزة، ومجمل الحراك الاستراتيجي للتكامل بين السفير فهد الدوسري والأمير يزيد بن فرحان، أن السعودية لا تبحث عن حليف سياسي أو فئوي في لبنان، بل تبحث عن «لبنان الدولة». إنه إعلان سياسي ورصين عن عودة المظلة العربية لبيروت من بوابة المؤسسات والدستور، لتتحول حماية لبنان وسيادته إلى مصلحة استراتيجية وركيزة أساسية لرؤية إقليمية مزدهرة.