السوق اللبنانية في قبضة محتكري الإنترنت

مع تردي الخدمات التي تقدمها الحكومة اللبنانية للمواطنين أو غيابها، فتح الباب على مصراعيه أمام من استغلوا الوضع ليتحكموا بالمواطنين في أي مجال كان، وكأن معاناة المواطنين مع أصحاب المولدات لا تكفي، فجاء الإنترنت غير الشرعي بدعة جديدة تضعهم تحت رحمة بعضهم وتتسبب في الوقت نفسه بمزيد من الخسائر للدولة، فيما من المفترض أن تكون أسعار الاشتراكات ثابتة ومحددة لدى التعامل مع "هيئة أوجيرو" أو إحدى الشركات الخاصة المتعاقدة معها والمرخص لها من قبل الدولة اللبنانية. ويتحكم كثيرون بالأسعار في غياب الرقابة والضوابط على الإنترنت غير الشرعي الذي تمارسه شركات غير مرخصة وموزعون غير مسجلين في "هيئة أوجيرو" ولا يسددون الرسوم والاشتراكات المستحقة، فقد تستأجر الشركات سعات من الدولة بسعر منخفض ثم تعيد تأجيرها أو تسمح لمستخدمين آخرين بربط مشتركين عليها على تسعيرة السوق السوداء للدولار، فتستفيد بذلك بطريقة غير قانونية على حساب الدولة والمواطن.
 
وأظهرت أرقام "هيئة أوجيرو" أن عدد السعات المستخدمة من الشركات تتزايد في مقابل تناقص عدد المشتركين الذين يسددون الرسوم لوزارة الاتصالات خلال السنوات الأخيرة.
 
شبكة مخترقة بنسبة 62 في المئة
 
وتوضع نسبة 62 في المئة من السوق اللبنانية في خانة الإنترنت غير القانوني، فيما النسبة الباقية من الخدمة بيد الدولة والشركات السبع الأساس المرخص لها. وتعطي هذه النسبة فكرة عن الواقع الكارثي الذي يستدعي التدخل للمعالجة السريعة حتى لا تعم الفوضى في قطاع الإتصالات أكثر، كما حدث في قطاع الكهرباء.
 
وتعتبر "هيئة أوجيرو" الجهة الرسمية المشرفة والموزعة لخدمة الإنترنت على الأراضي اللبنانية، إذ تشرف على التوزيع لمستخدمي الإنترنت من وإلى لبنان ومن المفترض أن يتم التوزيع منها أو من خلال أي من الشركات المرخص لها التي توزع في لبنان.
 
وطالما أن الشركات قانونية ومتعاقدة مع "هيئة أوجيرو" التي توزع لها، يوضح مهندس الاتصالات ربيع أبي أنه من المفترض أن تسدد نسبة 30 في المئة كعمولة للهيئة الرسمية أي للدولة، على أساس أعداد المشتركين المسجلين لدى "أوجيرو"، أما بالنسبة إلى الإنترنت غير القانوني فهو بدعة أفسح المجال لها عندما لم تتمكن الدولة من تغطية حاجات المواطنين من الإنترنت بسبب الأزمة الاقتصادية، مما أدى إلى فوضى في هذا المجال بغياب الرقابة الفاعلة، خصوصاً في البلدات النائية حيث ترك المجال مفتوحاً لمن عرف بـ"موزع الحي" الذي بات متحكماً بالمواطنين وممسكاً بأعناقهم لتوفير خدمة الإنترنت لهم مع زيادة الطلب وإن كان موجوداً في مختلف المناطق اللبنانية أيضاً.
 
وتشير أرقام وزارة الاتصالات إلى أن عدد هؤلاء الموزعين قد يتخطى الـ 4 آلاف في لبنان.
 
وفي هذه الحال لا تسدد الرسوم المستحقة للدولة، كما أن المواطنين المستفيدين من خدمة الإنترنت هذه لا يسجلون لدى "هيئة أوجيرو" بحيث تتكبد الدولة مزيداً من الخسائر.
 
"لا بد من تأكيد أن تحسين خدمة الإنترنت لا يرتبط برفع التعريفة وحسب، وبدلاً من هدر أموال الدولة كان من الممكن العمل على تحسينها، كما أن سرقة المعدات مشكلة أخرى تحمل هذه الشركات خسائر كبرى فيما لا تتوافر الأموال لتأمين البدائل ولا بد من مواجهتها، فالمطلوب هنا وقف هذه السرقات أيضاً، وفي مقابل رفع التعريفة يجب القيام بالإصلاحات اللازمة لتحسين الخدمة".
 
خطة في مواجهة محتكري الإنترنت
 
في لبنان هناك 700 ألف غير مسجلين كمشتركين في خدمة الإنترنت، ولا تسدد عنهم التعريفة الرسمية وتدفع فواتيرهم لجهات غير قانونية من دون معرفة المشتركين حتى، فتصل الخسائر الناتجة من ذلك بالنسبة للدولة إلى 15 مليون دولار في السنة، وفق ما يؤكده وزير الاتصالات جوني قرم في حديثه إلى "اندبندنت عربية"، فعلى رغم "استخدامهم الشبكة لا يسددون أي رسوم، ويجب ألا يحصل في مجال الاتصالات ما حصل في قطاع الكهرباء من انفلات وفوضى، إذ أصبح الإنترنت غير القانوني متقدماً جداً بشكل غير مقبول، وأصبح هناك احتكار لخدمة توزيعه بالكامل وهو يسيطر بشكل واسع على السوق، فيما الهدر مستمر".
 
وانطلاقاً من ذلك تركز الوزارة بجدية على وقف هذا الهدر وفق آلية تنفيذية يمكن أن تدخل للدولة مبلغ 25 مليون دولار سنوياً في السنة بعد الخسائر الكبرى التي تكبدتها خلال السنوات الماضية، فالخطة التي وضعتها وزارة الاتصالات تهدف إلى تصويب الإنترنت المختلس ووضعه تحت رعاية الدولة وتنظيمه وزيادة مداخيل الدولة.

واعتبر قرم أن الوزارة تمشي بذلك في الطريق الصحيح في مواجهة هذه الشبكات غير القانونية، وإن كانت هناك جهات قد تعارض ذلك، فالخطة التي وضعتها يمكن أن تساعد في وقف الاحتكار في سوق الإنترنت بالبلاد على حساب موارد الدولة والمواطنين، وهو موضوع طارئ لا يحتمل التأجيل، فاستمرار الوضع الحالي سيؤدي حتماً إلى إخلال الدولة بالتزاماتها تجاه المواطنين.

وبحسب مصادر في وزارة الاتصالات فقد كانت ظاهرة الإنترنت غير القانوني موجودة من عام 2000 إلا أنها تزايدت بشكل ملحوظ في مراحل عدة، خصوصاً بعد أن أعطيت تراخيص عام 2014 لأكثر من 100 شركة لإنشاء شبكات خاصة من دون الحرص على الرقابة اللازمة عليها، ثم في ظل أزمة البلاد من عام 2017 ومع تزايد حاجات الإنترنت، بدأ أيضاً استخدام الألياف البصرية التي تنقل الإنترنت بمعدلات هائلة وبطريقة غير قانونية أيضاً من دون أية مراقبة لطرق التوزيع، مما أدى إلى تفاقم الأزمة مع زيادة الاستهلاك وتراجع إيرادات الدولة، وقد ظهرت عندها الأعداد المتزايدة لمزودي الخدمة في المناطق مع زيادة في الاحتكار والاستفادة على حساب الدولة من دون تسديد الرسوم المتوجبة، مما حمل الدولة خسائر فادحة في ظل إنشاء شبكات بشكل مخالف للقانون، فهؤلاء يستفيدون من "المواد الأولية" التي تقدمها الدولة ويحققون أرباحاً طائلة متحكمين بالمواطنين في الوقت نفسه، خصوصاً أن جودة خدمة الإنترنت التي يقدمونها للمواطنين قد تكون أفضل عادة من تلك التي تقدمها الدولة، وهي أكثر سرعة أيضاً، ويضاف إلى ذلك أن "موزع الحي" يلبي حاجات المواطنين سريعاً، فيما الدولة ليست قادرة على تقديم الخدمة بالسرعة المطلوبة في حال طرأ عطل مثلاً.

أما الخطة التي وضعتها وزارة الاتصالات فلا تهدف إلى تأمين مردود ومداخيل للدولة وحسب، بل أيضاً كفيلة بتنظيم القطاع وضبط الشركات المخالفة ووضعها تحت إدارتها وقد أصبحت الجهة المشغلة، فما سيحققه هذا المشروع يتمثل أولاً في أن تبدأ الشركات التي سيتم ضبطها بتسديد الرسوم للدولة لقاء استخدام الشبكة، فيتخطى مجموعها الـ 25 مليون دولار سنوياً، وثانياً فقد أصبحت الدولة موجودة بالنسبة إلى المواطن كجهة أساس تنظم القطاع وتديره، وقد أفسحت المجال للمنافسة بطريقة تسمح بتعدد الاختيارات أمامه، وثالثاً يسهم ذلك في زيادة قيمة الوزارة أمام الاستثمارات الخارجية، علماً أن أعداد المشتركين الذين سينضمون إليها وفق الخطة، وهم من أولئك غير المسجلين حالياً، تلعب دوراً في زيادة هذه القيمة، وإن لم يكونوا مستفيدين من الشبكة بشكل مباشر، وأخيراً وقف الاحتكار في سوق الانترنت وخلق أجواء تنافسية حتى لا يتكرر ما حصل في قطاع الكهرباء مع أصحاب المولدات.

وهذه الخطة التي تقضي بضم المشتركين كافة وإدارة كل الشركات المستفيدة من الشبكة لا تتعارض مع مصالح أي من الجهات المعنية، فبالنسبة للشركات المستفيدة من الشبكة تبدو هذه خطوة إيجابية تسمح بالتوسع نحو مشتركين في مختلف المناطق بدلاً من العمل على نطاق ضيق كما يحصل حالياً، وهي كذلك للشركات السبع الأساس المرخص لها لاعتبارها تملك الرخص لإنشاء شبكات وقد يفسح هذا المجال للاستثمار، وذلك قد يتعارض بشكل من الأشكال مع مصلحة "موزع الحي" الذي يعمل في مناطق معينة على رفع الأسعار على هواه، إلا أنه سيستفيد هنا من نسبة 35 في المئة من الاشتراكات.

وتتوقع الوزارة أن يسهم ذلك في عودة الأمور إلى نصابها مع إنشاء شبكة مطابقة للقانون يجري العمل فيها وفق الأصول وبطريقة شرعية.

ومن المقرر أن تنفذ الخطة خلال الأشهر الثلاثة المقبلة على أن يتم خلالها إجراء مسح للشبكات واتخاذ قرارات إدارية في شأن العقود المطلوبة لصيانة الشبكة ينظر فيها ديوان المحاسبة حتى تصبح بعدها الشبكات تحت إدارة الوزارة التي تبدأ باستيفاء رسوم استخدام الشبكة من مزودي الانترنت.

أما في مواجهة سرقات المعدات المتكررة التي تحصل فقد استعانت الوزارة بشركات أمن لتوفير الحماية ليلاً ونهاراً على مواقع أساس تتعرض لسرقة معداتها، كما جرى التواصل مع الجهات الأمنية للتدخل وملاحقة كل من يقدم على سرقة هذه المعدات.