السويداء: غارات الأردن استهدفت الحرس الوطني.. رسالة سياسية؟

شنّ سلاح الجو الأردني سلسلة غارات جوية استهدفت مزارع ومسارات تهريب وبيوتاً لتجار المخدرات والسلاح في مناطق متفرقة من ريف محافظة السويداء الجنوبي الشرقي، الملاصق للحدود السورية الأردنية، وفي البادية السورية، ليل أمس الأربعاء، في تصعيد عسكري يعكس تحوّلاً لافتاً في مقاربة عمّان للملف الأمني على حدودها الشمالية. 

 

تفاصيل الاستهداف

وقال مصادر في ريف السويداء، لـ"المدن"، استهدفت الغارات ثكنة مهجورة لجيش النظام البائد قرب بلدة الغارية، ومزرعتين لأنس اللابد ووئام عطا قرب بلدة أم الرمان، ومزرعةً لعماد علوم قرب بلدة ملح، وجميع هذه البلدات تقع في مناطق يسيطر عليها الحرس الوطني الذي شكّله الزعيم الدرزي حكمت الهجري، بالإضافة إلى ثلاث بيوت لمهربين من عشيرة الرمثان البدوية في قرية الشعاب التابعة إدارياً لمحافظة السويداء. 

وتسببت الغارات بتدمير المواقع المستهدفة دون تسجيل خسائر بشرية. وتبعد هذه المزارع عن الحدود الأردنية مسافة تتراوح بين 5 و15 كيلومتراً، ما يعزز الشكوك حول استخدامها كمخازن متقدمة لشحنات المخدرات قبيل تهريبها نحو الأردن، بينما يُشتبه بأن البيوت المستهدفة تشكل مراكز قيادة لشبكات تهريب متخصصة. 

لكن اللافت في هذه الضربات ليس فقط كثافتها، بل نوعية الأهداف وطبيعتها الجغرافية والسياسية؛ إذ امتدت لتطال مستودعاً لتخزين الذخائر قرب بلدة الكفر لفصيل "نسور القليب" التابع للحرس الوطني، على بعد يقارب 30 كيلومتراً من الحدود الأردنية، وهو ما يشير إلى توسّع واضح في قواعد الاشتباك الأردنية. ورغم نفي مصادر في الحرس الوطني استهداف مستودعاته، أكدت مصادر محلية لـ"المدن"، أن انفجاراً عنيفاً هزّ بلدة الكفر بالتزامن مع الغارات، وأدى إلى إصابة عنصرين من الحراسة، ما يعزز فرضية توجيه رسالة عسكرية مباشرة إلى القوى المسلحة في السويداء.

وكان هذا التصعيد مسبوقاً بإجراءات ميدانية أعلنتها عمّان مساء الثلاثاء، لمواجهة التسلل والتهريب، ما يجعل غارات الأربعاء جزءاً من مسار تصاعدي مدروس وليس عملية معزولة. 

 

البعد السياسي للضربات

تاريخياً، لا تمثل هذه الضربات سابقة، إذ بدأ الأردن منذ عام 2023 اعتماد سياسة الضربات الجوية داخل الأراضي السورية ضد شبكات المخدرات، وكان من أبرزها استهداف تاجر المخدرات البارز مرعي الرمثان  ما أدى لمقتله مع أفراد من أسرته قبل سنتين ونصف. وبعد سقوط نظام الأسد الذي كان يغذي شبكات تهريب المخدرات ويدعمها، نفذ الجيش الأردني غارة جوية وحيدة استهدفت منزل مهرّب في قرية الشعاب منتصف كانون الثاني/يناير 2025. غير أن توقف العمليات لأحد عشر شهراً، ثم استئنافها بهذه الكثافة يوم الأمس، يعكس تحوّلاً في التقدير السياسي والأمني الأردني، خاصة في ظل تغير موازين القوى في الجنوب السوري. 

هنا يبرز البعد السياسي للضربات بوضوح؛ فتوقيت العملية ومكانها لا يمكن فصلهما عن الأزمة العميقة التي تعيشها السويداء منذ أحداث تموز/يونيو الماضي، وعن حالة الانقسام داخل المحافظة بين مسار التسوية المطروح إقليمياً، والقوى التي يقودها الهجري وترفض الانخراط فيه. 

ويشير استهداف مواقع مرتبطة بالحرس الوطني، إلى استخدام عمّان للأداة العسكرية كوسيلة ضغط سياسي مباشرة، في ظل تعثر مسار "خريطة الطريق" المتفق عليها بين عمّان ودمشق وواشنطن في أيلول/سبتمبر الماضي، لا سيما بعد وصول رسائل استياء من الأردن إلى الشيخ الهجري خلال الأسابيع القليلة الماضية نتيجة رفضه الانخراط في هذا المسار. 

بينما تشير مصادر مطلعة من داخل السويداء، لـ"المدن"، إلى أن آخر محاولة تهريب مخدرات جرت من الحدود السورية الأردنية جنوب محافظة السويداء كانت قبل عشرة أيام عبر قرية خربة عواد، وتمكن حرس الحدود الأردني من إحباطها.

 

تراجع وتيرة التهريب

وتراجعت وتيرة التهريب من السويداء وعموم الأراضي السورية خلال الأشهر الأخيرة، نتيجة الانتشار الأمني السوري الكثيف على كافة الطرق المؤدية للمحافظة، وحملات المكافحة التي تنفذها السلطات السورية في مختلف أنحاء البلاد، وهذا ما أكده مكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة (UNODC) في تقرير الاثنين الماضي، حول  تعطل التصنيع واسع النطاق لمادة الكبتاغون في سوريا بعد سقوط نظام الأسد. إلا أن استمرار محاولات التهريب وتحوّل أساليبه، بما في ذلك استخدام البالونات الجوية، ربما يعزز المخاوف الأردنية من إعادة تموضع الشبكات في مناطق خارجة عن السيطرة الحكومية المباشرة، وعلى رأسها السويداء.

وتكتسب الضربات الأردنية بعداً إقليمياً إضافياً في ظل ما كشفه تحقيق لصحيفة "واشنطن بوست"، حول تمويل وتسليح إسرائيلي لميليشيات درزية، بينها الحرس الوطني، ووجود صلات محتملة مع شبكات تهريب المخدرات، ما يجعل السويداء ساحة تقاطع لمصالح أمنية إقليمية متشابكة. ولا تبدو الضربات الأردنية الأخيرة مجرد عملية أمنية ضد مهربي مخدرات، بل تشكل أداة ضغط سياسية مركبة تهدف إلى إعادة ضبط المشهد الأمني في السويداء، في مرحلة إقليمية شديدة الحساسية تشهد إعادة رسم خرائط النفوذ في الجنوب السوري.