المصدر: الانباء الكويتية
الكاتب: داود رمال
الثلاثاء 26 أيار 2026 00:44:36
دخلت السلطات النقدية والمالية في لبنان عمليا مرحلة إدارة الأزمة لا مرحلة المعالجة التقليدية، بعدما فرض استمرار الحرب وتراجع التدفقات المالية بالعملات الأجنبية واقعا شديد الحساسية يهدد بإرباك إدارة السيولة النقدية إذا لم تتخذ إجراءات استثنائية وسريعة.
وأوضح مصدر مالي مسؤول لـ«الأنباء» أن «مصرف لبنان والحكومة يحاولان حتى الآن الحفاظ على الحد الأدنى من التوازن النقدي عبر سياسة تقوم على ترشيد استخدام الدولار المتوافر، وضبط الكتلة النقدية بالليرة، ومنع أي اهتزاز واسع في سوق الصرف، إلا أن استمرار الاستنزاف المالي يضع هذه السياسة أمام اختبار متصاعد مع كل يوم إضافي من التوتر العسكري».
وأشار المصدر إلى أن «الأولوية الحالية تتمثل في حماية ما تبقى من الاحتياطات بالعملات الأجنبية، بالتوازي مع تأمين الحاجات الأساسية للدولة والمجتمع، بدءا من تمويل استيراد القمح والأدوية والمحروقات، وصولا إلى الاستمرار في دفع رواتب القطاع العام والعسكريين، إضافة إلى مواصلة ضخ الأموال للمودعين ضمن الآليات المعتمدة حاليا».
ولفت إلى أن «حجم الضغوط المالية تضاعف نتيجة التداخل بين المتطلبات الإنسانية المرتبطة بالنزوح الداخلي الواسع وبين الانكماش الحاد في موارد الدولة وتراجع التدفقات السياحية والاستثمارية، ما يفرض إعادة ترتيب أولويات الإنفاق بصورة قاسية وغير مسبوقة».
وأكد المصدر أن «أحد أبرز الإجراءات المطروحة يتمثل في تقنين التحويلات بالدولار نحو الاستيراد غير الأساسي، بهدف تخفيف الطلب على العملات الأجنبية والحفاظ على المخزون المتبقي من الاحتياطات، بالتوازي مع الاتجاه إلى خفض النفقات العامة إلى الحدود الدنيا الممكنة، وحصر الإنفاق بالمجالات المرتبطة بالأمن الغذائي والاستقرار الاجتماعي والنقدي».
وذكر «ان النقاشات الجارية داخل المؤسسات المعنية أيضا، تتركز نحو تعزيز التنسيق المباشر بين وزارة المالية ومصرف لبنان لتوحيد إدارة السيولة اليومية ومنع أي تضارب قد يؤدي إلى استنزاف إضافي للقدرات المالية المحدودة».
ورأى المصدر أن «المخاوف الأساسية لا ترتبط فقط بالأرقام الحالية، بل بما قد ينتج عن استمرار الحرب خلال الأشهر المقبلة، خصوصا أن لبنان يواجه عمليا خسارة موسم سياحي كان يؤمن تدفقات نقدية سنوية بمليارات الدولارات، فيما تشهد تحويلات المغتربين تباطؤا نسبيا نتيجة التوترات الإقليمية. وهذا الواقع يضغط مباشرة على ميزان المدفوعات ويقلص قدرة السوق اللبنانية على تعويض الدولارات الخارجة مقابل فاتورة الاستيراد المرتفعة، ولاسيما مع ارتفاع أسعار النفط عالميا».
وأوضح المصدر أن «مصرف لبنان يواصل حتى الآن اعتماد سياسة نقدية تقوم على امتصاص الكتلة النقدية بالليرة ومنع توسعها بشكل يفوق قدرة الاحتياطات على تغطيتها. وهذا الإجراء ساهم في الحفاظ على استقرار نسبي في سعر الصرف رغم الظروف الأمنية القاسية. الا ان استمرار ارتفاع المدفوعات النقدية، سواء لتمويل القطاع العام أو السحوبات المصرفية للمودعين، يشكل ضغطا إضافيا على الموجودات بالعملات الأجنبية، خصوصا بعدما سجلت الاحتياطات تراجعا ملموسا خلال الأشهر الماضية».
وأضاف أن «الإجراءات الوقائية المطروحة لا تقتصر على الجانب النقدي فحسب، بل تشمل السعي إلى تأمين خطوط تمويل طارئة من الخارج، سواء عبر المؤسسات الدولية أو من خلال دعم مالي سريع يخفف الضغط عن الخزينة ومصرف لبنان في المدى القصير. ويقوم الرهان الرسمي على منع الوصول إلى مرحلة العجز الكامل في تأمين السيولة، لأن أي اهتزاز كبير في هذا الملف سينعكس مباشرة على الاستقرار الاجتماعي وسوق الصرف والقدرة الشرائية للمواطنين».
ودعا المصدر إلى «تشكيل خلية أزمة مشتركة بين الحكومة ومصرف لبنان تتولى اتخاذ قرارات استثنائية وسريعة، بعيدا من البطء الإداري والتجاذبات السياسية، لأن الحفاظ على السيولة بات مرادفا للحفاظ على الحد الأدنى من الاستقرار الداخلي في ظل الحرب المفتوحة واستنزاف الموارد».