الشتاء يدهم أبنية طرابلس الآيلة للسقوط والحلول متعثرة

لا يُباغت الخطر مدينة طرابلس من السماء، بل يتسلل إليها من تشققات جدرانها المتهالكة، ومن تحت أساسات منازلها التي أنهكها الإهمال والزمن. ومع اقتراب فصل الشتاء تعيش العائلات المهددة بيوتها بالسقوط بين رعب البقاء والإنذارات الرسمية بالإخلاء وسط عجزٍ عن تأمين مأوى بديل يحفظ ما تبقى من كرامتهم وأمانهم.

الاكتفاء بالكشف

في أزقة "ضهر المغر"، لا يحتاج محمد حسين إلى خبير هندسي ليتبين معالم الهلاك المتربص بمنزله، يشير بيده إلى تربةٍ خسرت تماسكها فهبطت، وبيدٍ أخرى لمياهٍ تتسرب، ساحبةً معها رمل الأساسات الذي يحفظ البناء من التداعي. ويؤكد أن مهندسي البلدية عاينوا المكان في نهاية فصل الشتاء المنصرم، عندما حضرت لجان البلدية، ووضعت مواد كاشفة على التشققات على أن تُستأنف المتابعة.

عادت التشققات وسارع السكان لإبلاغ الجهات المعنية، موثقين بالصور ومقاطع الفيديو حجم التصدع. وفي إحدى محطات المتابعة، جاء رد بلدية طرابلس بإنذار يفيد بتسرب المياه من شبكات الصرف الصحي باتجاه باطن الأرض، لتبلع معها الرمل وتترك المبنى معلقاً في الهواء. وحاول السكان بجهودهم الفردية ترميم الصدع، لكن الكارثة كانت أكبر من إمكانياتهم.

يقول: "لا نريد من البلدية تعويضات أو مساعدة مالية. كل ما نطلبه هو كشف هندسيّ حقيقي يحدد بدقة سبب الخلل والجهات المسؤولة عن معالجته. وإذا تطلبت المعالجة كلفة مادية، فإنّنا مستعدون للمساهمة".

حال محمد ليس سوى مرآة مصغرة لواقع مرير تعيشه مئات الأبنية في "ضهر المغر"، جدران لا تزال صامدة ظاهرياً، وعائلات تقايض سلامتها بالبقاء تحت سقف مهدد. والهاجس الأكبر الذي يطارد السكان قرب موسم الشتاء وتدفق المياه وضرب أساسات المباني.

شاهدٌ على الفاجعة

على مسافة لا تزيد عن مئة متر عاش محمد الباي مأساة انهيار منزله، وغادره مرغماً نحو مجهولٍ آخر، لكن شظايا الكارثة ماثلة في المكان؛ حجارة مبعثرة وأسقف سقطت وأطلال مبانٍ شاهدة على فاجعة غادرتها عائلات تائهة بحثاً عن مأوى.

يروي الباي بمرارة تفاصيل ما بعد الانهيار: تتكرر الوجوه وتتعدد الزيارات، يحضر المعنيون لالتقاط الصور وتدوين التقارير، ثم يرحلون. "قالولي بكرا بدنا نشيل الردم… وبعدني ناطرهم".

طال الانتظار حتى تحول إلى نكبة ثانية. العائلة وجدت نفسها ترزح تحت وطأة إيجارات باهظة ومصاريف معيشية تقصم الظهر. أما المساعدة الضئيلة المتمثلة بألف دولار تُصرف على ثلاثة أشهر، فلا تضمن استقراراً ولا تبني مستقبلاً؛ فهي تعادل نحو 333 دولاراً شهرياً، في وقت باتت فيه إيجارات الشقق في طرابلس تلامس الـ 400 دولار شهرياً، قبل حتى أن يُحسب حساب الكهرباء، الغذاء، الدواء، وسائر أساسيات العيش.

لذا، لا ترى عائلة الباي في "بدل السكن" حلاً للأزمة. فمن خسر داره لا ينتظر فتات مساعدة تنتهي صلاحيتها، بل يبحث عن أمان واستقرار دائم.

والأدهى من ذلك، أن الملف بأكمله ليس غائباً عن أحد؛ البلدية على علم، والتقارير رفعت، والمهندسون عاينوا، وعدسات الإعلام وثقت. لكن السؤال الذي يتردد بلا صدى: أين ذهبت كل هذه الجهود وماذا تلاها؟

 1500 مبنى تحت المجهر

ووفق معطيات حصلت عليها "المدن" من مصادر معنية بالملف في بلدية طرابلس، خضع نحو 1500 مبنى للكشف حتى الآن، فيما لا يزال نحو 150 مبنى آخر بانتظار الكشف بناءً على شكاوى تلقّتها البلدية.

ويشرح رئيس اللجنة الهندسية في بلدية طرابلس المهندس مصطفى فخر الدين أن عمليات الكشف جرت عبر مسارين. الأول جاء نتيجة اتفاق بين البلدية ونقابة المهندسين، وشكّلت بموجبه لجنة مشتركة ضمّت مهندسين من النقابة وممثلين عن البلدية والصليب الأحمر اللبناني، وتولّت معاينة نحو 860 مبنى. أما المسار الثاني، فكان عبر الشكاوى التي يقدّمها السكان إلى البلدية، وتُحال بعدها الحالات إلى الكشف الهندسي.

لكن الوصول إلى المبنى ومعاينته لا يعني أن الإجراءات تنتهي عند تحديد مستوى الخطر. فلكل حالة مسار يفترض أن يتحدد وفق وضعها الإنشائي.

في المباني التي يمكن تدعيمها، تبدأ البلدية بإنذار المالك بضرورة تنفيذ أعمال التدعيم. ووفق فخر الدين، تُمنح مهلة تمتد عادة بين ثلاثة وأربعة أشهر لتنفيذ المطلوب. وإذا لم تُنفذ الأعمال، تنتقل الإجراءات إلى إنذار بالإخلاء عندما يصبح بقاء السكان في المبنى غير آمن.

هذا التسلسل يفسّر جزءاً من سبب بقاء عدد من الأبنية في المنطقة الرمادية بين الكشف والإخلاء. فقرار التدعيم يفترض وجود مالك قادر على دفع الكلفة، فيما لا تتوافر هذه القدرة دائماً. وفي بعض الحالات، تتداخل المشكلة مع العلاقة بين المالك والمستأجر، خصوصاً في الأبنية التي تخضع لعقود إيجار قديمة، فيتحول السؤال من "هل يحتاج المبنى إلى تدعيم؟ إلى من سيدفع كلفة التدعيم؟".

50 مبنى على مسار الهدم

وبحسب المعطيات التي حصلت عليها "المدن"، هناك نحو 150 مبنى تستوجب حالتها الإخلاء، فيما يوجد نحو 50 مبنى على مسار الهدم.

وهذه الأرقام هي الجزء الذي يحدد حجم المشكلة، لكنها لا تعكس وحدها عدد العائلات التي اضطرت إلى ترك منازلها أو تلك التي ما زالت تقيم في مبانٍ صدرت بشأنها إنذارات. فالقرار الهندسي يحتاج إلى إجراءات تنفيذية، والإخلاء يحتاج إلى مكان بديل، والهدم يحتاج إلى تمويل وآليات وخطة للتعامل مع العقار بعد إزالة المبنى.

مشكلة الإيواء والإيجارات 

واجهت البلدية، منذ بدء تنفيذ قرارات الإخلاء، مشكلة لم تكن هندسية في الأساس: أين ستذهب العائلات التي يطلب منها مغادرة منازلها؟

في الحالات الطارئة، استُخدمت الفنادق لإيواء بعض العائلات لفترة مؤقتة. وكان الهدف إعطاء الجهات المعنية وقتاً لتأمين بدل يسمح للمتضررين باستئجار مساكن أخرى.

ويقول فخر الدين إن بدل الإيواء المعتمد يبلغ ألف دولار كل ثلاثة أشهر، وكان يفترض أن يسمح للعائلة المستفيدة باستئجار منزل خارج المبنى المهدد. لكن قيمة البدل أصبحت موضع إشكال مع ارتفاع أسعار الإيجارات في طرابلس خلال الفترة الماضية.

عندما كان الإيجار الشهري يتراوح في حدود 300 إلى 325 دولاراً، كان بدل الألف دولار يغطي الجزء الأكبر من الكلفة. أما اليوم، فتقول مصادر متابعة للملف إن الإيجارات ارتفعت في عدد من المناطق، ما جعل البدل أقل قدرة على تغطية كلفة السكن.

ويعزو فخر الدين جانباً من هذا الارتفاع إلى زيادة الطلب على المساكن بعد موجات النزوح من الجنوب، وهو عامل انعكس مباشرة على سوق الإيجارات في طرابلس.

وهنا تظهر إحدى الثغرات في آلية التعامل مع الأبنية المهددة: قرار الإخلاء يعالج الخطر الإنشائي على السكان، لكنه يفتح في الوقت نفسه مشكلة اجتماعية جديدة إذا لم يترافق مع برنامج سكني قادر على استيعاب العائلات لفترة كافية.

100 وحدة سكنية في البداوي

توسعت رقعة المخاوف مع تزايد أعداد المهددين بالإخلاء، مما فرض ضرورة إيجاد حلول طارئة تستوعب الفارين من تحت الركام.

من هنا انطلق مشروع المساكن الجاهزة في منطقة البداوي، على عقار مساحته نحو 10 آلاف متر مربع، والمخصص لاستيعاب 100 وحدة سكنية جاهزة مقدمة كهبة تركية.

وفقاً لفخر الدين، تولت وزارة الشؤون الاجتماعية تهيئة البنية التحتية للموقع بهبة مقدمة من شركة C.G.M لتنفيذ الأعمال الفنية بالتنسيق مع البلدية، وسط توقعات بانطلاق الأعمال في الاسابيع القليلة المقبلة.

لكن هذا المشروع، برأي المعنيين، ليس حلاً استراتيجياً مستداماً، بل هو مجرد بند إسعافي في خطة طوارئ وُضعت تحت وطأة رعب انهيارات شباط الماضي، خشية عجز المدينة عن استيعاب المزيد من العائلات المشردة.