الشويفات تحت النار: غارة تُسقِط وهْم الأمان وتُفاقم المأساة

"لم نتخايل أنّ بيتنا غير آمن. نحن لسنا في الضاحية، وكنا متأكّدين أنّ المنطقة آمنة. كان جيراننا قد غادروا قبل الغارة بساعات، وغالبية السكّان لم يغادروا"، تضيف إحدى القاطنات في المبنى المستهدّف، "بيتنا تهدّم، كما كلّ مباني الضاحية والجنوب، لنا الله".
ليس لسكّان الضاحية وتخومها "سوى الله" كما قالوا، وهم هكذا متروكون في تيههم وصدمتهم اليوميّة المتجدّدة.

الشويفات، وهي واحدةٌ من المناطق الّتي ظنّ سكّانها أنّها آمنةٌ بالحدّ الأدنى، كانت، بلا ريب، كما غيرها من المناطق، في دائرة الاستهداف. فليل أمس، ومن دون سابق إنذار، شنّ الطيران الحربيّ الإسرائيليّ غارةً جويّة استهدفت شقّةً في مبنىً مؤلّفٍ من أربع طبقات في الشويفات، وتحديدًا في منطقة الأجنحة الخمسة، في غارةٍ قيل إنّ هدفها أحد الشخصيّات، وأدّت إلى إصابة ثلاثة أشخاص. فيما أشار السكّان في حديثهم إلى "المدن" في سرهم عن سقوط شهداء، بحكم أنّه جرى جمع أشلاء، من دون إعطاء معلومات إضافيّة، قبل أنّ تعلن وزارة الصحّة عن الحصيلة البشريّة. 

في محيط المبنى، الّذي دُمّر، ومعه مبانٍ مجاورةٌ طاولها الخراب أيضًا، يطفو الهمّ قاسيًا على وجوه النساء والرجال والأطفال، الّذين لا يزالون تحت وطأة الصدمة. صباح اليوم الخميس، جالت "المدن" في محيط المبنى وعاينت آثار الدمار، حيث تناثرت الواجهات الزجاجيّة المحطّمة، وتصدّعت الجدران، وبدت الشوارع المحيطة كأنّها خرجت للتوّ من زلزالٍ مباغت، صفحات ممزقّة من القرآن، وكتبٌ مدرسيّة مُمزقّة، وأكداس من الملابس المُختلطة بمياهٍ آسنة.

الواقعة لم تكن فقط دمارًا، بل صورةً مكثّفةً عن خوفٍ جماعيّ يتكرّر في كلّ مرّةٍ يستهدف فيها حيٌّ سكنيّ. الأهالي الّذين نزلوا مذعورين إلى الشوارع تحدّثوا عن دقائق ثقيلة من الرعب، وعن أطفالٍ استيقظوا على صوت الانفجار، وعن عائلاتٍ لم تجد وقتًا لالتقاط أوراقها الثبوتيّة أو ما تيسّر من حاجاتها الأساسيّة. بعضهم وقف يحدّق طويلًا في الركام بصمت، وبعضهم راح يبحث بين الحجارة عن مقتنياتٍ شخصيّة، أو عن دليلٍ صغير على حياةٍ كانت هنا قبل لحظات.

ويكشف الاستهداف، وفق ما يعكسه كلام السكّان، عن اتّساع رقعة انعدام الأمان، بحيث لم يعد التمييز بين منطقةٍ "آمنة" وأخرى "مهدّدة" ذا معنى فعليّ في نظر كثيرين. الغارة لم تسقط مبنىً فحسب، بل أسقطت أيضًا ما تبقّى من شعورٍ هشّ بالطمأنينة. وبين ركام الحجر ووجوه الناجين، تتكرّر السيرة نفسها، خساراتٌ متلاحقة، نزوحٌ داخليّ، وقلقٌ مفتوحٌ على أيّ ليلةٍ قد تحمل غارةً جديدة، من دون إنذار، ومن دون مهلةٍ للنجاة.