العام الدراسي يعود تدريجيًا… ونسبة الحضور مرتفعة

لم يسلم القطاع التربوي من تداعيات الحرب الدائرة في مختلف مناطق لبنان، إذ انعكست الاعتداءات الإسرائيلية وحركة النزوح الواسعة على انتظام العام الدراسي، بعدما تحوّلت مدارس رسميّة عدّة إلى مراكز لإيواء العائلات النازحة، فيما جرى تجهيز أخرى لاستيعاب المزيد منهم.

وفي ظلّ هذا الواقع، تعتمد وزارة التربية والتعليم العالي مقاربة مرنة تراعي التفاوت في أوضاع التلامذة بين منطقة وأخرى، بين نازحين فقدوا استقرارهم التعليميّ وآخرين ما زالوا قادرين على متابعة دراستهم في مناطق أكثر استقرارًا، إضافة إلى طلّاب يتابعون برامج تعليمية أجنبية ترتبط بمواعيد امتحانات دولية.

وبينما تركت الوزارة للمدارس الخاصة حرية اختيار النمط التعليمي الأنسب وفق أوضاعها الأمنية، اعتمدت التعليم عن بُعد في المدارس الرسمية في المرحلة الحالية، نظرًا لاستخدام عدد كبير منها كمراكز إيواء.

وفي هذا الإطار، شكّل أمس اليوم الأول لاستئناف التعليم حضوريًا في عدد من المناطق التي تُعدّ آمنة نسبيًا، في محاولة لإعادة انتظام العملية التعليمية رغم الظروف الاستثنائية.

وفي هذا الإطار، يوضح الأمين العام للمدارس الكاثوليكية الأب يوسف نصر، في حديث إلى "نداء الوطن"، أن المدارس الكاثوليكية وضعت خطة شمولية لإعادة إطلاق العملية التعليمية بالتوازي مع توجيهات وزارة التربية. ويشير إلى أن هذه الخطة تراعي واقع المناطق الآمنة والمناطق المتأثرة بالحرب، إضافة إلى أوضاع الطلّاب النازحين أو الذين تحوّلت مدارسهم إلى مراكز إيواء.

ويكشف نصر أن اليوم الأول لعودة التعليم في المناطق الآمنة سجّل نسبة حضور مرتفعة جدًا، ما عكس ارتياحًا لدى عدد كبير من الأهالي، مقابل نسبة غياب محدودة. وفي الوقت نفسه، يلفت إلى أن العائلات التي تشعر بأي خطر يمكنها إبقاء أولادها في المنازل، على أن تلتزم المدارس بتأمين التعليم عن بُعد، سواء المتزامن أو غير المتزامن.

ويضيف أن المدارس طُلب منها إعداد خطط طوارئ واضحة تُعرض على الأهالي، ويجري تدريب الهيئات التعليمية عليها، مؤكدًا أن التعليم في هذه المرحلة لا يقتصر على متابعة الدروس فحسب، بل يشكّل أيضًا مساحة للدعم النفسي والاجتماعي للتلامذة، لمساعدتهم على استيعاب ما يجري حولهم. كما يشدّد على ضرورة إيلاء اهتمام خاص بالطلاب النازحين بالتعاون مع الوزارة، عبر تأمين أنشطة تعليمية أو تعليم عن بُعد يضمن عدم انقطاعهم عن الدراسة.

ويختم نصر قائلًا: "اليوم أثبتنا أن الكتاب والقلم هما أيضًا فعل صمود ومقاومة، ودليل على أن الحياة ما زالت مستمرّة في لبنان".

من جهته، يؤكد رئيس اتحاد لجان الأهل في كسروان الفتوح وجبيل مارون أبي نجم، في حديث إلى "نداء الوطن"، أن قرار العودة إلى التعليم الحضوري جاء بعد اجتماعات مكثفة عُقدت الأسبوع الماضي مع وزارة التربية والأمانة العامة للمدارس الكاثوليكية.

ويشير إلى أن الاتحاد توافق مع الجهات المعنية على أن يحضر الطلاب إلى مدارسهم بدلًا من متابعة التعليم عبر الإنترنت، انطلاقًا من تقدير بأن الظروف الحالية لا تزال آمنة بما يكفي لمتابعة العام الدراسي داخل الصفوف.

ويلفت أبي نجم إلى اعتماد إجراءات احترازية داخل المدارس، أبرزها تشكيل لجنة طوارئ في كل مدرسة تضمّ الإدارة والأهل والهيئة التعليمية، تكون مهمتها متابعة التطوّرات الأمنية بشكل يومي واتخاذ ما يلزم لضمان أعلى درجات الأمان للتلامذة.

ويعرب عن أمله في أن يستمرّ التعليم حضوريًا من دون الحاجة إلى العودة إلى التعليم المدمج أو التعليم عن بُعد، بما يسمح باستكمال السنة الدراسية في ظروف مستقرة نسبيًا.

إلّا أن التحدّي التربوي في لبنان اليوم يتجاوز مسألة اختيار نمط التعليم. فالحرب تركت آثارًا نفسية واضحة على التلامذة، كما أن الانقطاع المتكرّر عن الدراسة خلال السنوات الأخيرة، سواء بسبب الأزمات الاقتصادية أو جائحة كورونا أو الإضرابات، ترك فجوة تعليمية كبيرة لا يمكن تجاهلها.

لذلك، تبدو المرحلة الحالية أقرب إلى محاولة إنقاذ ما تبقى من العام الدراسي، أكثر من كونها عودة كاملة إلى الحياة التعليمية الطبيعية. فالمدرسة اليوم لم تعد مجرّد مكان لتلقي الدروس، بل مساحة لاستعادة الحدّ الأدنى من الاستقرار في حياة الأطفال، في بلد يعيش على إيقاع الأزمات المتتالية.