المصدر: لوريان لوجور
الكاتب: منير يونس
الثلاثاء 17 شباط 2026 11:11:47
بعد أن أُعيد إحياؤه في الأشهر الأخيرة مع إعداد مشروع قانون «إعادة الانتظام المالي واسترداد الودائع»، الذي يتّسم بالغموض حيال استخدامه، عاد النقاش حول بيع مخزون الذهب المدرج في ميزانية مصرف لبنان إلى الواجهة من باب غير متوقّع. إذ برزت خلال اجتماعات بعثة صندوق النقد الدولي في لبنان فكرة بيع جزء من احتياطات الذهب، ثم استثمار عائداته في أدوات مالية مدرّة للدخل.
أولوية الودائع أم إعادة الإعمار؟
هل يشكّل ذلك محاولة للتموضع في نقاش داخلي شديد الحساسية سياسيًا؟
من جانب رئاسة الجمهورية، يشير مقرّبون من جوزاف عون إلى أنه لا يعارض استخدامًا جزئيًا للذهب، شرط أن يتم ذلك ضمن توافق وطني. أمّا رئيس الحكومة نواف سلام، فيلتزم بالخط الحذر المعتمد في مشروع القانون، معتبرًا أن مصير الذهب يعود إلى البرلمان، لا سيما أن قانونًا صدر عام 1986 يمنع المساس به.
في المقابل، يواصل رئيس مجلس النواب نبيه بري معارضته القاطعة لهذا الخيار. ويُعزى هذا الموقف جزئيًا إلى سياسة انتظار مرتبطة بكلفة حرب 2024 مع إسرائيل، المقدّرة بنحو 10 مليارات دولار، إذ يُفضَّل عدم المساس بـ«الأصل الأخير» قبل حسم هذه المسألة.
وتلخّص إحدى المصادر موقف الصندوق بالقول:
«صندوق النقد لا يدافع عن خيار بعينه، بل عن منهجية تقوم على تحديد حجم خسائر المصرف المركزي عبر تقييم أصوله قياسًا بالتزاماته. في هذا الإطار، لا يُعدّ الذهب رمزًا ولا محرّمًا، بل أصلًا كسائر الأصول».
الضمانات في صلب النقاش
يرتبط موقف الصندوق ببنية «قانون العجز المالي» نفسه، الذي ينص على إعادة 100 ألف دولار نقدًا لكل مودِع خلال أربع سنوات، فيما يحصل المودعون بما يفوق ذلك على سندات تعتمد قيمتها على الضمانات المرافقة لها.
وهنا يركّز الصندوق على ضرورة توضيح هذه الضمانات وتحديدها رقميًا وجعلها قابلة للتحقّق، أي توفير ضمانات «حقيقية»، وآليات واضحة، ومسؤوليات محدّدة.
وفي هذا السياق، يطالب بعدم استبعاد الذهب مبدئيًا من تقييم الأصول القابلة للتعبئة. وتذهب مصادر غير رسمية إلى أبعد من ذلك، معتبرة أن الصندوق قد يقبل مبدأ بيع جزء من الذهب، ثم استثمار العائدات في أدوات مثل سندات الخزانة الأميركية، بما يدرّ فوائد تُستخدم لتعزيز سيولة مصرف لبنان.
وتضيف إحدى المصادر:
«العائدات تبقى أصلًا تابعًا للمصرف المركزي، فيما يمكن تخصيص أرباح الاستثمار، عند الاقتضاء، لسداد الودائع».
تجاذب دولي في الخلفية
في الكواليس، تدفع بعض العواصم – وفي مقدّمها واشنطن – باتجاه إعطاء الأولوية للاستقرار الاقتصادي الكلي، وتوجيه العائدات نحو إعادة الإعمار والبنى التحتية. في المقابل، تميل عواصم أخرى، مثل باريس، إلى إبداء مرونة أكبر في شروط إعادة هيكلة القطاع المصرفي واسترداد الودائع، مع إمكان استخدام الذهب لهذا الغرض.
وفي حال فُتح النقاش في البرلمان، فمن المرجّح أن يدور حول هذين التوجّهين المتنافسين. ويذكّر أحد القانونيين بأن المجلس النيابي، بوصفه السلطة العليا، سبق أن منع التصرف بالذهب عام 1986، ويمكنه اليوم أو غدًا التراجع عن هذا القرار.
الدائنون يراقبون
يتابع القطاع المصرفي هذا المسار عن كثب، إذ ترى المصارف أن بيع جزء من الذهب قد يخفّف العبء الواقع عليها وعلى مصرف لبنان في ملف الودائع.
كذلك يراقب حاملو سندات اليوروبوند التطورات. فمنذ تخلّف الدولة اللبنانية عن سداد ديونها الخارجية في آذار/مارس 2020، تُتداول هذه السندات بنحو 28 سنتًا للدولار الواحد. ويربط مصدر مطّلع تحسّن قيمتها بإمكان التوصل إلى اتفاق مع صندوق النقد يضمن استدامة الدين العام.
غير أن توجيه عائدات الذهب إلى مشاريع الإعمار قد يحمل مخاطر كبيرة، إذ قد يعتبر الدائنون أن الذهب يعود للدولة لا للمصرف المركزي، ما قد يدفعهم إلى تحرّكات قضائية فورية.
من المستفيد؟
تبقى حقيقة يصعب تجاهلها: إذا استُخدم الذهب في سداد الودائع، فسيستفيد منه أولًا كبار المودعين، إذ تمثّل الودائع التي تفوق 500 ألف دولار أكثر من نصف إجمالي الودائع، رغم أنها تخصّ نحو 3% فقط من أصحاب الحسابات.
وفي بلد أعادت الخسائر فيه رسم موازين القوى، يعود الذهب ليجسّد دوره التقليدي في لبنان: أصلًا محاسبيًا، ورمزًا سياسيًا، وكاشفًا صارخًا للسؤال الذي يتجنّب الجميع طرحه مباشرة: من سيدفع الثمن؟ ولصالح من؟