القرار الاتهامي في ملف المرفأ على همّة النيابة التمييزية... الحقيقة آتية!

على مسافة أيام من الذكرى السادسة لجريمة تفجير مرفأ بيروت في 4 آب 2020 عادت الصورة المأساوية لترتسم في عيون أهالي الضحايا واللبنانيين مع الإعلان عن العثور على كميات من "نيترات الأمونيوم" الشديدة الانفجار في بلدة حولا الجنوبية، وتردد أنها تعود إلى "حزب الله"، إذ لا تملك أي جهة أخرى القدرة على استيرادها ونقلها وتخزينها في مناطق نفوذه إلا بإذن من الحزب.

انكشاف كميات نترات الأمونيوم تم على يد  قوات الأمم المتحدة الموقتة العاملة في الجنوب خلال عملية تفتيش روتينية حيث عثرت على 385 حاوية مهجورة داخل مبنى، تحتوي على ما يقارب 4000 كيلوغرام من المواد المتفجرة، تتكوّن بشكل أساسي من مركبات نيترات الأمونيوم".

وللتذكير فإن انفجار المرفأ الذي أدى إلى مقتل أكثر من 220 ضحية وسقوط حوالى 7000 جريح ودمار العاصمة وقع بسبب وجود 2750 طناً من مادة نيترات الأمونيوم مخزنة في العنبر رقم 12 منذ العام 2014.وبعد مرور ست سنوات على الكارثة، لا يزال اللبنانيون وأهالي الضحايا ينتظرون الوصول إلى الحقيقة الكاملة ومحاسبة الجهة التي خططت ونفّذَت. فهل تأتي  اللحظة التي ترتاح فيها أرواح ضحايا تفجير المرفأ؟

مصدر قضائي يقول لـ"المركزية" ان تبدل المشهد القضائي وتراجع العراقيل التي كانت تعترض عمل المحقق العدلي القاضي طارق البيطار الذي أثبت صلابته وحكمته في التعاطي مع ملف جريمة العصر، ساهم بشكل فعّال في استكمال غالبية الاستجوابات التي كانت متوقفة منذ أعوام، وأعاد تحريك التحقيق.  ومع إعلانه ختم التحقيقات في نهاية آذار الماضي أحال البيطار الملف كاملاً إلى النيابة العامة التمييزية لإبداء مطالعتها القانونية، وهي خطوة إلزامية تسبق إصدار القرار الاتهامي وفق قانون أصول المحاكمات الجزائية اللبناني.

ومن الناحية القانونية، فإن مطالعة النيابة العامة ليست قراراً نهائياً، بل هي رأي قانوني ويبقى للمحقق العدلي بعده أن يصدر قراره الاتهامي وفق قناعته المستقلة. وفي حال وجود ملاحظة من قبل النيابة العامة التمييزية يقول المحقق العدلي أن القرار الإتهامي يأتي خلافا للمطالعة وإذا لم تبدِ النيابة العامة التمييزية أي رأي،  يقول عندها "وفقا للمطالعة" ويصدر القرار الإتهامي.

هذا المسار إلزامي بالنسبة إلى قاضي التحقيق. وتوضيحا لما يُطرح من "فرضيات" حول أسباب تأخير صدورالقرار الإتهامي واتهام البيطار بالتلكؤ أو التريث في انتظار حصول تغيير داخلي ما يبدأ بحصرية السلاح غير الشرعي بيد الدولة، تقول المصادر القضائية أنه " عندما سلم البيطار الملف إلى النيابة العامة التمييزية كان على رأسها القاضي جمال الحجار والأكيد أنه لم يتمكن من قراءة 2000 ورقة وهو مجموع عدد صفحات الملف. ومع تسلم القاضي أحمد رامي الحاج في نيسان 2026 رئاسة النيابة العامة التمييزية لم يكن السلف قد أبدى رأيه في الملف ولا يمكن للخلف أن يُكمل من حيث توقف السلف. وترجح المصادر أن تستمر فترة المطالعة ضمن "المهلة المعقولة" حوالى الشهرين بعد ذلك لا يعود التأخير مبرراً .

بعد صدور القرارالإتهامي لا تنتهي القضية، بل تكون  بداية المرحلة القضائية الثانية، وذلك مع إحالة الملف إلى المجلس العدلي، الذي يتولى محاكمة المدعى عليهم بصورة علنية وفق الأصول القانونية، وقد تستغرق هذه المرحلة سنوات. لكن في ملف تفجير المرفأ تقول المصادر أنه لا يجب أن تستمر لأكثر من سنة ونصف  كون التحقيقات التي أنجزها المحقق العدلي تختصر الكثير من الجهد. ومن أبرز ما أنجزه البيطار في العامين الماضيين استكمال عدد من الاستنابات القضائية الدولية المتعلقة بحركة الأموال والاتصالات وبعض المعطيات المرتبطة بشحنة نيترات الأمونيوم،  كما تلقى أجوبة من دول أجنبية على طلبات المساعدة القضائية التي سبق أن وجهها إليها. وقد ساهمت هذه المعطيات في استكمال الصورة القانونية للمسؤوليات، بحسب ما تفيد المصادر القضائية، إلا أن مضمونها التفصيلي سيبقى سرياً إلى حين صدور القرار الاتهامي.

وتختم المصادر، "من الناحية القانونية، يبدو أن التحقيق بات أقرب من أي وقت مضى إلى نهايته الإجرائية، بعدما تجاوز مرحلة جمع الأدلة ووصل إلى مرحلة القرار الاتهامي. لكن من الناحية العملية، فإن العدالة لم تتحقق بعد. فالقرار الاتهامي، مهما كانت أهميته، لن يكون سوى بداية المحاكمة أمام المجلس العدلي، حيث ستبرز تحديات جديدة تتعلق بسرعة الإجراءات، وحضور المدعى عليهم، وإمكان تقديم دفوع وطلبات قانونية جديدة قد تؤثر في وتيرة المحاكمة".

في ما خص أهالي الضحايا فقد وجهوا في الأشهر الأخيرة انتقادات مباشرة إلى النيابة العامة التمييزية، معتبرين أن استمرار التأخير في إعداد المطالعة القانونية يؤدي قطعاً إلى إبقاء القرار الاتهامي معلّقاً، وهو ما وصفوه بأنه "شلل مباشر" للتحقيق.

وفي موازاة التحرك الداخلي، سعى الأهالي إلى تدويل القضية عبر التواصل مع منظمات حقوقية وهيئات أممية، معتبرين أن القضاء اللبناني تعرض لضغوط سياسية متكررة حالت دون محاسبة جميع المسؤولين. وقد لاقت هذه المطالب دعماً من منظمات حقوق الإنسان، التي انتقدت مراراً ما وصفته بعرقلة مسار العدالة وتأخير التحقيقات وحماية بعض المسؤولين من المساءلة.

ومع ذلك، ثمة إجماع من قبل الأهالي أن مجرد وصول الملف إلى مرحلة القرار الاتهامي يشكل تحولاً مهماً بعد سنوات من الجمود، لأنه ينقل القضية من دائرة التحقيق إلى دائرة المحاسبة القضائية، ويضع المسؤوليات القانونية بصورة رسمية أمام القضاء المختص.