القرار 1701 بين الأمم المتحدة وواشنطن... انتهى الدور أو تغيّر؟

أعاد القائم بأعمال مكتب المنسق الخاص لـ الأمم المتحدة في لبنان جان أرنو، إلى جانب وكيل الأمين العام لعمليات السلام جان بيار لاكروا، القرار الدولي 1701 الى صلب النقاش الدولي من خلال إحاطتهما الدورية الأخيرة المرفوعة إلى مجلس الأمن، والتي جاءت في وقت تراجع فيه الكلام أو غاب حتى عنه، كما افتقده اتفاق الإطار الموقع بين لبنان وإسرائيل. الأمر الذي يرفع حجم الأسئلة حول مستقبل هذا القرار وخصوصاً بعد الحرب الأخيرة، ومع قرب انتهاء ولاية قوات “اليونيفيل” نهاية عام 2026، وغياب أي إشارة إليه في المسار الذي تقوده الولايات المتحدة بين لبنان وإسرائيل.

رغم مرور عشرين عاماً على صدوره، لا يزال القرار 1701 قائماً من الناحية القانونية والسياسية. فهو قرار صادر عن مجلس الأمن بموجب ميثاق الأمم المتحدة ولا يسقط بمرور الزمن، ولا ينتهي تلقائياً بانتهاء ولاية "اليونيفيل". ولا يمكن إلغاؤه أو استبداله إلا بقرار جديد يصدر عن مجلس الأمن نفسه. ولذلك، فإن الإحاطة الأممية حملت رسالة واضحة مفادها أن الأمم المتحدة لا تزال تعتبر القرار 1701 المرجعية الأساسية لأي ترتيبات أمنية بين لبنان وإسرائيل كما ورد في التقرير.

لكن المشكلة التي يواجهها القرار تكمن في عدم تطبيقه والتزام بنوده، فضلاً عن أن الأداة التي كلفت تنفيذه قد انتهى دورها. فقوة "اليونيفيل" ليست هي القرار 1701، بل إحدى الآليات التي كلفت مساعدة لبنان والجيش اللبناني على تطبيقه. وانتهاء مهمتها، كما هو مقرر حالياً في نهاية 2026، لا يعني انتهاء القرار نفسه، وإنما فقدانه إحدى أهم أدوات المراقبة والتنفيذ على الأرض. وهذا ما دفع الامم المتحدة كما دول أوروبية عدة، إلى البحث في الخيارات البديلة الكفيلة تأمين استمرار الحضور الأممي حتى بعد انتهاء ولاية القوة الدولية، إدراكاً منها أن غياب أي آلية مراقبة سيجعل تنفيذ القرار أكثر صعوبة.

وبالتزامن مع تقديم الإحاطة، يبرز السؤال عن سبب غياب القرار 1701 عن المسار الذي تقوده واشنطن، علماً أن هذا القرار تصدر كل البيانات والمواقف الاميركية والدولية الخاصة بلبنان، والداعية إلى التزام تنفيذه، وهو الذي ينص على نزع السلاح غير الشرعي، المطلب الاول على المستوى العربي والدولي والأميركي تحديداً. فمنذ انتهاء الحرب، ركزت الولايات المتحدة على تفاهمات أمنية مباشرة بين لبنان وإسرائيل، تشمل ترتيبات ميدانية، وانسحابات متبادلة، ومعالجة النقاط الحدودية العالقة، بعيداً من الإطار التقليدي للأمم المتحدة. هذا المسار يقوم على اتفاقات تنفيذية ثنائية أو ثلاثية، أكثر منه على تطبيقٍ حرفي لنصوص القرار الدولي.

ويعزو مراقبون هذا التغييب للقرار الدولي إلى أن واشنطن تعتبر أنه لم يعد كافياً لمعالجة الوقائع الجديدة التي فرضتها الحرب، وأن المطلوب هو بناء منظومة أمنية مختلفة تستند إلى الوقائع الميدانية والتفاهمات السياسية أكثر من استنادها إلى النصوص الدولية. كما أن الإدارة الأميركية تفضّل هامشاً أكبر من المرونة، بعيداً من القيود التي يفرضها مجلس الأمن، حيث تستطيع روسيا أو الصين تعطيل أي تعديلات أو قرارات جديدة.

لكن الأمم المتحدة ترفض التعامل مع هذه المقاربة رغم فشل مجلس الامن في التمديد للقوة الدولية تحت الضغط الأميركي. وقد عكفت في كل التقارير والإحاطات على التأكيد أن أي ترتيبات جديدة يجب أن تبقى ضمن إطار القرار 1701، باعتباره المرجعية القانونية الوحيدة التي أقرها مجلس الأمن لتنظيم الوضع على الحدود اللبنانية– الإسرائيلية. بل إن تقارير أممية أشارت بوضوح إلى أن التفاهمات الجديدة لا تلغي القرار ولا تستبدله، حتى وإن لم تذكره صراحة.

من هنا، يبدو أن لبنان يقف أمام مرحلة انتقالية بين مرجعيتين: مرجعية دولية يمثلها القرار 1701 والأمم المتحدة، ومرجعية سياسية– أمنية تقودها الولايات المتحدة على الأرض. وحتى الآن، لا يوجد ما يشير إلى أن إحداهما ألغت الأخرى، بل إن الواقع يوحي أنهما تسيران بالتوازي، مع فارق جوهري يتمثل في أن واشنطن تدير التنفيذ العملي، فيما تتمسك الأمم المتحدة بالإطار القانوني. وبذلك، فإن السؤال لم يعد ما إذا كان القرار 1701 لا يزال قائماً، لأن الجواب القانوني هو نعم. بل هو يكمن في ما إذا كان سيبقى المرجعية الفعلية لإدارة الحدود الجنوبية، أم أنه سيتحول تدريجاً إلى مظلة قانونية عامة، فيما تنتقل إدارة الأمن إلى تفاهمات جديدة ترعاها القوى الدولية والإقليمية خارج المظلة الأممية، علماً أن لبنان لا يزال يتمسك بهذه المظلة في أي خيارات بديلة سيتم اللجوء اليها لاستبدال القوة الدولية بقوة متعددة الجنسية. وينطلق لبنان من مبدأ أن القرار 1701 يشكل مكسباً للدولة واستعادتها سيادتها، ولا يجوز التخلي عنه تحت أي مبرر أو أي تفاهمات مقبلة. علماً أن واشنطن، وبالمسار التفاوضي الثلاثي الذي أطلقته، رمت في شكل أساسي إلى إسقاط أي دور أممي أو أوروبي محتمل في أي تسوية مقبلة!