اللجنة العليا بين لبنان وسوريا أمام مجلس الوزراء

يدرس مجلس الوزراء الجمعة في أول جدول أعماله مشروع اتفاقية لإنشاء لجنة عليا مشتركة بين حكومتي لبنان وسوريا، في مؤشر واضح لجدية البلدين في ترجمة نتائج المحادثات التي بدأت مع تولي الرئيس أحمد الشرع الرئاسة السورية، وتجلت في خطوة أولى عام 2025، تمثلت في إلغاء المجلس الأعلى السوري - اللبناني من الجانبين، والذي كان يتولى التنسيق في مختلف المجالات السياسية والأمنية والاقتصادية. وجاءت الزيارة الأخيرة لرئيس مجلس الوزراء نواف سلام لدمشق لتأكيد التزام تشكيل هذه اللجنة التي ستكون عملياً البديل من المجلس الأعلى الملغى، وتتولى درس الاتفاقات الثنائية والبحث في التعديلات المطلوبة عليها بما يضمن المصالح المشتركة للبلدين، ويرفع الغبن الذي لحق بلبنان إبان الوصاية السورية للنظام السابق.

مادة وحيدة في البند أمام مجلس الوزراء للموافقة على إنشاء اللجنة التي ستكون برئاسة رئيس الحكومة من الجانب اللبناني، ونظيره من الجانب السوري، على أن يبدأ التحضير لتشكيل اللجنة واللجان الفرعية التي ستنبثق منها فور إقرار البند.

وعلمت "النهار" أن إنشاء لجنة عليا على هذا المستوى يحتاج إلى قرار حكومي، في حين أن أيّ تعديلات على الاتفاقيات أو المعاهدات الموقعة مع سوريا يمكن أن يتطلب إقرار قوانين لوضعها موضع التنفيذ. وذكرت مصادر حكومية أن لبنان، بخطوته هذه، يكون قد وضع العلاقة مع سوريا على المستوى عينه من العلاقات القائمة مع دول عربية أخرى حيث هناك لجان عليا مشتركة تنظم العلاقات الثنائية.

والواقع أن هذا الملف بدأ يسلك طريقه جديا وعمليا منذ تغيير النظام السابق، والتحولات السياسية في سوريا ومحاولات إعادة تنظيم العلاقات الثنائية على أسس جديدة. وكانت دمشق أعلنت عام 2025 تعليق عمل المجلس الأعلى السوري-اللبناني، تمهيداً لإعادة صياغة العلاقة عبر القنوات الديبلوماسية التقليدية، فيما استمرت بعض اللجان القطاعية في العمل لمعالجة ملفات النقل والتجارة والمعابر الحدودية. وقد شكّلت اللجان اللبنانية - السورية المشتركة، إلى جانب ما عُرف بالمجلس الأعلى، الإطار الرسمي الذي نظّم العلاقات السياسية والاقتصادية والأمنية بين البلدين منذ مطلع التسعينيات. وتأسست هذه الهيئات بعد توقيع "معاهدة الأخوة والتعاون والتنسيق" بين لبنان وسوريا في 22 أيار 1991، والتي جاءت تطبيقاً لما نصّ عليه اتفاق الطائف في شأن إقامة "علاقات مميزة" بين البلدين.

وبموجب المعاهدة، أُنشئ المجلس الأعلى السوري - اللبناني ليضم رئيسي الجمهورية والحكومتين ورئيسي المجلس في البلدين، ويتولى رسم السياسات العامة للتنسيق والتعاون. وانبثقت منه لجان وزارية وفنية مشتركة شملت قطاعات الاقتصاد، والنقل، والزراعة، والطاقة، والأمن والجمارك، بهدف متابعة تنفيذ الاتفاقات الثنائية وتسهيل حركة التبادل التجاري والعبور بين البلدين.

وأدت هذه اللجان دوراً محورياً خلال مرحلة الوجود السوري في لبنان بين عامي 1991 و2005، إذ كانت المرجعية الأساسية لمعظم الملفات الاقتصادية والسياسية المشتركة. وتم عبرها توقيع عشرات الاتفاقيات المتعلقة بالنقل البري، والتبادل التجاري، والرسوم الجمركية، والطاقة، والاستثمارات، إضافة إلى تنسيق أمني واسع. وقد شكّلت قناة مباشرة لإدارة العلاقات السياسية بين الحكومتين بعيداً من الأطر الديبلوماسية التقليدية.

لكن هذه المؤسسات بقيت موضع جدل واسع داخل لبنان، خصوصاً لدى القوى التي اعتبرت أنها كرّست الوصاية السورية على القرار اللبناني خلال تلك المرحلة. وبعد انسحاب الجيش السوري من لبنان عام 2005، تراجع دور المجلس الأعلى واللجان المشتركة تدريجاً، رغم استمرار بعض الاجتماعات الفنية المرتبطة بالنقل والطاقة والزراعة، ما استدعى اعادة تفعيل اللجان وإنما بصيغ جديدة.