المصدر: المدن
الكاتب: فرح منصور
الخميس 21 أيار 2026 17:33:24
يدخل لبنان مرّة جديدة في نفق الحسابات الطائفية والسياسية المُعقدة. إذ أدى التباين الحادّ حول ملفّي "الموقوفين الإسلاميين" و"المبعدين (اللاجئين) إلى إسرائيل" إلى تأجيل الجلسة التشريعية التي كانت مخصصة لإقرار مشروع قانون العفو العام.
هذا التأجيل لم يكن مجرد إرجاءٍ تقنيّ، بل جاء انعكاسًا عميقًا لانفجار الجدل حول ملفّين يشكّلان بؤرة توتر داخلية. بينما يضغط الشارع السني لإنهاء ملف "الموقوفين الإسلاميين" في السجون، يبرزُ ملفّ اللبنانيين "المُبعدين إلى إسرائيل" الذي تُشدّد عليه القوى السياسيّة المسيحية (القوات اللبنانية، التيار الوطني الحرّ، وحزب الكتائب)، والتي تُطالب في المقابل بتسوية هذا الملفّ الذي يجمع بين البُعد الإنساني لعائلات تشتّت والبعد السيادي المُرتبط بـ"العمالة".
تبدأ حكاية "المبعدين" فجر الخامس والعشرين من أيّار عام 2000، يوم تحرير الجنوب وانسحاب الاحتلال الإسرائيلي. في تلك اللحظة التاريخيّة، ووسط حالة من الذعر والترقّب، عبر الحدود باتجاه الدّاخل الإسرائيلي ما بين 6500 و7000 مواطن لبناني.
لم يكن هؤلاء نسيجًا واحدًا، بل انقسموا بين عناصر وضبّاط انخرطوا عسكريًّا وأمنيًا في ما كان يُعرف بـ"جيش لبنان الجنوبي" (جيش أنطوان لحد)، وبين عائلاتهم من نساءٍ وأطفال وأقارب وجدوا أنفسهم مدفوعين بالخوف من عمليات انتقام، أو مأخوذين بقرارات أرباب عائلاتهم.
اليوم، ومع مرور أكثر من ربع قرن، تشير التقديرات إلى أنّ عدد المُتبقين في الداخل الإسرائيلي يقارب الـ 3500، بعدما اختار القسم الآخر منهم إمّا "الهجرة الثالثة" إلى دول غربية مثل الولايات المتحدة وكندا وأستراليا ودول أوروبا، وإما العودة الفرديّة بأعداد غير كبيرة، عبر بوابة القضاء العسكري والصليب الأحمر الدولي، فضلًا عن عامل الوفيات الطبيعيّة الذي غيّب قسمًا وازنًا من الجيل الأول.
بحسب التقديرات اللبنانية، فإنّ من بقي منهم في إسرائيل يعيش معظمهم في مناطق الشمال المحتل القريبة من الحدود مع لبنان مثل مُدن: حيفا، نهاريا، صفد، ومستوطنة كريات شمونة.
القانون 194: البداية في "مار مخايل"
بدا في العام 2011 أن هذا الملف قد وجد طريقه إلى الإطار التشريعي ضمنَ مفاعيل "تفاهم مار مخايل" والتحالف السياسي العريض الذي جمع التيار الوطني الحر وحزب الله.
أثمر هذا التحالف ولادة القانون 194 الصادر بتاريخ 18 تشرين الثاني 2011، وتحت عنوان صريح "معالجة أوضاع المواطنين اللبنانيين الذين لجأوا إلى إسرائيل".
كان إقرار القانون 194 خطوة تشريعية وقانونية متقدّمة. إذ ميز بوضوح بين المتورطين بأعمال أمنيّة وعسكرية في "جيش لبنان الجنوبي" وبين "الضحايا" من النساء والأطفال الذي أعفوا من الملاحقة الجنائية بتهمة "دخول بلاد العدو"، مقابل تخليهم عن أي جنسية أو إقامة صادرة من السلطات الإسرائيلية. وافق حزب الله حينذاك على هذا القانون كجزء من التزاماته السياسية بالتحالف مع رئيس التيار ميشال عون، وفي سياق "طمأنة" الشارع المسيحي وبيئة التيار العوني التي كانت ترى في هذا الملف قضيّة إنسانيّة ومسيحية بامتياز، لكون قسم وازن من اللاجئين إلى إسرائيل كانوا من أبناء قرى الشريط الحدودي المسيحية مثل رميش ودبلظ وعين إبل ومرجعيون وغيرها.
ولادة مع "وقف التنفيذ"
لكنّ المفارقة اللبنانية المعتادة تجلّت في أنّ القانون 194 وُلد مع "وقف التنفيذ". إذ اشترط صراحة صدور "مراسيم تطبيقية" لتحديد آليات العودة، وتشكيل لجان مُختصة بفرز الأسماء، وإجراء تحقيقات لتمييز "البريء" من "المُتورط". ولأن "الشيطان اللبناني" يكمن دائمًا في تفاصيل المراسيم، بقيت هذه المراسيم حبيسة الأدراج ولم ترَ النور قطّ.
غابت الإرادة السياسيّة الفعلية، وتحول القانون من أداة حلّ إلى مجرّد حبرٍ على ورق. ناهيك بتراجع الحماس الذي رافق إقراره أمام "الفيتوات" المتبادلة والحسابات الإقليميّة التي تعقدت مع اندلاع الثورة السورية ضد نظام بشار الأسد، والمحليّة المتغيرة، حيث غضّ حزب الله الطرف عن إصدار المراسيم التطبيقية بعدما "أدى قسطه" للوفاء بالتحالف السياسي مع التيار الوطني الحر من دون السّير في التطبيق الفعلي.
ينفجر الجدل اليوم مجددًا حول القانون 194 وغياب مراسيمه، مع ربطِه بـ"سلة" العفو العام وجلسة إقراره المُؤجلة. يرى المؤيدون لتفعيل هذا الملف أن استمرار تجميد القانون يُمثّل "ظلمًا إنسانيًا" لجيل كامل من الأبناء الذين وُلدوا في إسرائيل، ولا ذنب لهم في خيارات آبائهم. وأنّ عودتهم تحت سقف القانون والدولة تمثل تكريسًا للمصالحة الوطنية وإعادة التوازن لملفّ العفو الشامل.
يثير الملف في المقابل هواجس وطنية كبرى لدى بيئات لبنانية واسعة تعتبر أن غياب المراسيم التطبيقية الصارمة قد يُستغلّ لـ"تمرير عفو مبطّن" عن "العملاء" الذين تلطّخت أيديهم بدماء اللبنانيين، أو يفتح الباب لـ"أسرلة" مقنعة لجيل نشأ وتربى في مدارس إسرائيل وتلقى ثقافتها ويتحدث اللغة العبرية بطلاقة.
مواطنون بلا حقوق: برزخ الحرمان المدني
لا تقتصر مأساة هؤلاء في الميزان القانوني اللبناني على البُعد الجغرافي فحسب. إذ تتعداه إلى حكمٍ غير مُعلن قد تصح تسميته بـ"الإعدام المدني". من الناحية القانونية الصرفة، يُعتبر الوجود في بلاد العدو والاستحصال على وثائق أو هويات أو إقامات إسرائيليّة لتسيير الحياة اليومية بمثابة جُرم يُسقط عن مرتبكه تلقائياً إمكانية ممارسة حقوقه كمواطنٍ لبنانيّ. وبفعل غياب المراسيم التطبيقية للقانون 194، التي كان يُفترض بها أن تُسوّي أوضاع الفئات غير المتورطة عسكريًا، بات أكثر من 3000 لبناني هناك، وخاصة جيل الأبناء، يرزحون تحت وطأة حرمانٍ مدني كامل وشامل.
يترجم هذا الحرمان شللًا تامًا في تفاصيل حياتهم المرتبطة بوطنهم الأم. فهم محرومون من حق تجديد جوازات السفر أو الحصول عليها، أو على إخراجات قيد مستحدثة عبر السفارات والقنصليات اللبنانية في الخارج. والأخطر من ذلك هو انعكاس هذا الوضع على حقوقهم الإرثية والعقارية داخل لبنان. إذ لا يمكنهم إجراء أي معاملات بيع وشراء، أو حصر إرث لعقارات وأملاك عائلاتهم في لبنان. كما تُجمّد حساباتهم المصرفية أو ممتلكاتهم.
بكلام آخر، يتحول هؤلاء بنظر "الإدارة اللبنانية" إلى "أشباح قانونية" لا يمكنهم توكيل محامين للدفاع عن مصالحهم من دون الخضوع إلى تحقيقات أمنية مسبقة ومعقدة. هذا التجريد من الحقوق المدنية لا يمنع عودتهم كمواطنين فحسب، بل يقطع خيوط اتصالهم الأخيرة بأرضهم، ليصبح الحرمان من الحقّ المدني أقسى أنواع النفي، حيث يُجردهم من الهوية قبل أن يجردهم من الوطن.
إن تأجيل الجلسة التشريعية لإقرار قانون العفو العام، وتغييب إصدار المراسيم التطبيقية للقانون 194 طوال هذه السنوات، يعكسان بوضوح أزمة الثقة المستحكمة بالنظام اللبناني، حيث تُقرّ القوانين كترضيات سياسية متبادلة، وتُعطل مفاعيلها في التنفيذ تجنّبًا للصدام الفعلي.
ومع استفحال "المقايضة التشريعية"، يصبح الخوف مشروعًا من أن يظلّ ملف العفو العام، أو ما يتفرّع منه مثل تطبيق القانون 194، رهينة التجاذبات الطائفية، ويُبقي هؤلاء اللبنانيين معلّقين في "برزخ الهوية الضائعة"، بين وطن عاجز عن استقبالهم بآلية واضحة، وبين وجودهم في أرضٍ مجاورة جغرافيًا، وبعيدة معنويًا عن أصولهم.