المساران الأمنيّ والسّياسيّ مكبّلان بالشّروط الإسرائيليّة

أيّام قليلة تَفصل بين اجتماع البنتاغون الأمنيّ وجولة المفاوضات “السياسيّة” الرابعة بين لبنان وإسرائيل المقرّرة غداً وبعد غد في وزارة الخارجيّة الأميركيّة. وما بين المحطتيّن، أعلن الجيش الإسرائيليّ أمس احتلاله قلعة الشقيف و”العمل في محيط النبطيّة”، مركّزاً قصفه على مدينة النبطية وصور ودير الزهراني ودبين، ومهدّداً بتوسيع رقعة الاعتداءات وصولاً إلى بيروت.

لم يكد الاجتماع الأمنيّ في البنتاغون ينتهي حتّى كان الإعلام الرسميّ الإسرائيليّ يحدّد سقف نطاق عمل جيش العدوّ: “الخطّ الأصفر لا يقيّدنا، وسنعمل في كلّ مكان نرصد فيه تهديداً”، مع التسليم الإسرائيليّ بأنّ “تهديد مسيّرات “الحزب” هو تحدٍّ، وهناك حلول عمليّاتيّة وتكنولوجيّة في مراحل التطوير، وسنواصل إدخالها بسرعة إلى ساحة المعركة”.

هو خطّ بيانيّ إسرائيليّ واضح يُكمل المفهوم الإسرائيليّ لنقاشات اجتماع البنتاغون. أهمّ ما فيه الاعتراف الإسرائيليّ بأنّ “الحزب” أدخل إلى المعركة سلاحاً لم تَحسب المنظومة العسكريّة الإسرائيليّة، إحدى أكثر المنظومات تطوّراً وحداثةً تكنولوجيّة في العالم، حساباً له، وهي “في طور إيجاد الحلول” لتجنّب تداعياته العسكريّة.

أمّا في أصل التفاوض فيتصرّف الإسرائيليّ على أساس أنّ الجالسين قبالته من الجانب اللبنانيّ لا يملكون قدرة حسم مسألة نزع السلاح، وبالتالي لا قرار إسرائيليّاً بوقف الحرب قبل إتمام الجزء الأكبر من هذه المهمّة بالتزامن مع قضم مساحة ثابتة وواسعة من المنطقة العازلة للتفاوض عليها لاحقاً، وإغراق الوفدين الأمنيّ والسياسيّ بسلّة شروط قاسية في سياق إجبار لبنان على “التعاون” مع إسرائيل للقضاء على “الحزب”.

غلّة فارغة

صحيح أنّ وزارة الدفاع الأميركيّة حَرصت على “تجميل” نتائج اللقاء الأوّل من نوعه بين وفدَي البلدين العسكريَّين بالحديث عن “مفاوضات مُثمرة”، إلّا أنّ “الغلّة” كانت حرفيّاً فارغة، وأثبتت أنّ المسار الأمنيّ لا يمكن أن يَسبق أو يوازي المسار السياسيّ، بل يجب أن يكون نتيجةً له بعد جولات من التفاوض السياسيّ، الذي بدوره لا يزال أسير الدوّامة نفسها: الدولة اللبنانيّة “المُفاوِضة” لا تملك ورقة الميدان.

هي نقطة الخلاف الجوهريّة التي تباعد راهناً بين الرئيس نبيه برّي والمُدافع الأوّل عن التفاوض المباشر الأمنيّ والسياسيّ مع إسرائيل رئيس الجمهوريّة جوزف عون، والتي دفعت رئيس مجلس النوّاب إلى بقّ البحصة في حديثه إلى “أساس ميديا”: “بماذا نذهب إلى المفاوضات المباشرة؟ لا شيء. لا نحمل معنا ما نفاوض به. ولا ورقة واحدة حتّى”.

الركن الآخر من نظرة برّي إلى “الخرق” الحقيقيّ، الذي يُمكِن أن يقود إلى انتهاء الحرب وتلمّس بداية الحلّ، هو توفير مظلّة إقليميّة عبر تفاهم سعوديّ – إيرانيّ، تحت الرعاية الأميركيّة، وليس جلوس الوفد اللبنانيّ قبالة الوفد الإسرائيليّ من دون أن يملك ما يمكن أن يُفاوض عليه، متلقّياً مزيداً من الضغط الإسرائيليّ، الذي يُضاف إلى ضغط الميدان.

نقاشات البنتاغون

في الوقائع، بقيت نقاشات اجتماع البنتاغون بين الوفدين العسكريَّين اللبنانيّ والإسرائيليّ، برعاية أميركيّة، ومضمون الاجتماع في اليوم التالي بين الوفد العسكريّ اللبنانيّ ورئيس الوفد السياسيّ سيمون كرم، أسيرة حلقة ضيّقة جدّاً في محيط رئيس الجمهوريّة، إضافة إلى قائد الجيش العماد رودولف هيكل، فيما يحرص عون على وضع برّي ورئيس الحكومة في أجواء المفاوضات.

ما تسرّب من معطيات يتمحور حول بعض النقاط، مع تسجيل انتكاسة لبنانيّة رسميّة بانعقاد أربع جولات تفاوض مباشر، والخامسة “على الطريق”، تحت النار، بعكس الإعلان المتكرّر لرئيس الجمهوريّة، منذ إعلانه طلب المفاوضات المباشرة مع إسرائيل في التاسع من آذار، “أنّنا لن نقبل أن تبدأ هذه  المفاوضات قبل الوقف الشامل لإطلاق النار”. أهمّ تلك النقاط:

– وفق معلومات “أساس” لا تُبدي القيادة العسكريّة حماسة لاستئناف جولات التفاوض الأمنيّ، اتّكاءً على مضمون لقاء 29 أيّار، لأنّ من الصعوبة، الأقرب إلى الاستحالة، تحصيل أيّ مكسب وسط المقاربة الإسرائيليّة التي عرضها الوفد الإسرائيليّ، ولأنّ الجانب اللبنانيّ العسكريّ غير معنيّ بإعداد أيّ ترتيبات أمنيّة في ظلّ إصرار إسرائيل على استكمال حربها، أو تشكيل لجنة تنسيق أو غرفة عمليّات مشتركة في هذه المرحلة من الحرب، أو تنفيذ أيّ إملاءات إسرائيليّة تحت النار.

– بين المطالب الإسرائيليّة المطروحة نزع سلاح “الحزب” أوّلاً وقيام الجيش بداية في نقاط محدّدة كالضاحية، وشمال الليطاني، بتفكيك ما بقي من منظومة “الحزب” العسكريّة، وبينها “منظومة المسيّرات”، كشرط لأيّ حديث عن وقف الأعمال القتاليّة أو بدء الانسحاب الإسرائيليّ. هذه المطالب توحّد النتائج بين المسارين الأمنيّ والسياسيّ الذي سيُستأنف غداً. إذ إنّ المطلب اللبنانيّ المُتكرّر لتثبيت الهدنة وبدء الانسحاب وفق مبدأ “الخطوة خطوة” مرفوض على “الطاولتين”، وهذا ما يضع المفاوضات أمام مأزق كان متوقّعاً وغير مفاجئ.

– بين المسار الأمنيّ والسياسيّ للمفاوضات، يُنفّذ الجيش اللبنانيّ مزيداً من خطوات الانسحاب من بقعة جنوب الليطاني، وآخِرتها من نقطة الخردلي، وفي حال تقدّم العدوّ نحو جديدة مرجعيون سيجد نفسه مرغماً على إخلاء ثكنة مرجعيون، والانسحاب نحو البقاع، مع العلم أنّ طريق دبّين باتت مقطوعة بفعل احتلال البلدة، وبالتالي الانسحاب قد يتمّ عبر الخردلي. إضافة إلى ذلك، أدّى الاستهداف الإسرائيليّ المباشر لعسكريّين في الجيش إلى وقوع شهداء. في ظلّ هذا الواقع العسكريّ الضاغط يبرز الإصرار الأميركيّ على تأليف لجنة تنسيق لبنانيّة – إسرائيليّة مشتركة لم يُعرَف هل يلتزم المستوى السياسيّ في لبنان السير بها، بعد رفض الجيش اللبنانيّ لها.

– تتقاطع المعطيات عند احتمال إصدار ما يشبه إعلان النيّات أو خارطة طريق عقب نهاية اجتماعات 2 و3 حزيران، لكنّ ذلك سيترافق حتماً مع استمرار إسرائيل في عمليّاتها العسكريّة التي تقرّبها من منطقة النبطيّة، استناداً إلى وتيرة التصعيد غير المسبوق، وهذا ما سيدعم تساؤلات كبيرة عن مصلحة لبنان في الاستمرار في التفاوض على الرغم من عدم تحصيله أيّ مكسب حتّى الآن، ومن التهديد الإسرائيليّ بتوسيع أكبر لنطاق العمليّات.