المصدر: إرم نيوز
السبت 15 آب 2026 12:28:31
تحوّلت تلال علي الطاهر المشرفة على قضاء النبطية جنوبي لبنان إلى المسرح الأكثر سخونة وخطورة في المواجهة الدائرة بين الجيش الإسرائيلي وحزب الله.
وتكتسب هذه البقعة أهمية بالغة نظراً إلى موقعها الجغرافي الذي يمنح المسيطر عليها إشرافاً نارياً كاملاً على المنطقة المحيطة بها.
في غضون ذلك، تتزايد التسريبات العسكرية المتقاطعة من كلا الجانبين، التي تُجمع على أن ساعة الحسم الميداني في هذه الجبهة الاستراتيجية اقتربت بالفعل. ويعكس هذا التقييم رغبة الطرفين في فرض واقع جديد على الأرض، يتزامن مع التحركات السياسية الجارية.
وشهدت ساحة العمليات مؤخراً تحوّلاً جذرياً؛ إذ انتقلت المواجهات من مرحلة الطوق الناري الشامل والقصف المدفعي والجوي المكثف إلى مرحلة التوغل الموضعي الدقيق، حيث بدأت القوات الإسرائيلية تستخدم تكتيكات عسكرية غير تقليدية بهدف كسر معنويات المقاتلين الذين يتحصنون داخل منشآت في باطن الأرض.
أهمية التلال
ترتفع تلال علي الطاهر نحو 600 متر فوق مستوى سطح البحر، وتمثل جغرافياً حجر الزاوية في منظومة الدفاع الثانية لحزب الله في القطاع الأوسط. ومن يسيطر على هذه التلال يمتلك ميزة الإشراف الناري والبصري الكامل على مدينة النبطية ومحيطها، بالإضافة إلى بلدتي كفرتبنيت والنبطية الفوقا، وكذلك طرق الإمداد الحيوية الممتدة جنوب نهر الليطاني وشماله.
ولهذه الأسباب، لا تفرّط إسرائيل في توصيف المعركة باعتبارها هدفاً استراتيجياً من الدرجة الأولى، إذ إن إسقاط هذه التلة يعني عملياً كسر خط الدفاع الناري الأساسي الذي يحمي عمق منطقتي إقليم التفاح والنبطية، ويمنح الجيش الإسرائيلي منصة مراقبة وتوجيه ناري تكشف مساحات شاسعة تصل حدود الرؤية فيها إلى أطراف مدينة صيدا.
وكشفت مصادر ميدانية لـ"إرم نيوز" تفاصيل جديدة حول طبيعة المعركة التي تدور حالياً بعيداً عن عدسات الكاميرات.
ووفقاً لهذه المصادر، فإن التلة لا تضم مجرد دشم عسكرية سطحية، بل تحتوي على منشأة محصنة ضخمة من عائلة منشآت عماد، وتُعرف في الأوساط العسكرية بـ"مدينة الملجأ".
وتؤكد أن الشبكة محفورة في عمق الصخر، على مسافات تتراوح بين 30 و50 متراً تحت الأرض، ومجهزة بمنظومات تهوية مستقلة، ومخازن سلاح ومؤن تكفي لأسابيع طويلة، فضلاً عن غرف عمليات متصلة بشبكة اتصالات سلكية خاصة بالحزب.
وتشير المصادر إلى أن قوات النخبة الإسرائيلية فرضت طوقاً برياً دائرياً على التلة، مستعينة بالمسيّرات الانقضاضية ومدفعية الميدان لقطع أي خطوط إمداد فوق الأرض من جهة النبطية الفوقا، حيث يواجه العشرات من عناصر حزب الله المحاصرين في الداخل خيارات معقدة، مع تضاؤل فرص الانسحاب عبر السطح.
لكن المصادر اللبنانية تفيد بمفاجأة موازية، تمثلت في أن المقاتلين المحاصرين لا يزالون يبدون مقاومة، مستفيدين من مسارات سرية تحت الأرض لم تتمكن القوات الإسرائيلية من تحديد مواضعها بدقة حتى الآن. وتسمح هذه المسارات بنقل بعض الإمدادات الطبية المحدودة والذخائر الخفيفة بين أروقة الشبكة المعقدة.
وكانت تقارير إعلامية أشارت في وقت سابق إلى لجوء تل أبيب إلى استراتيجية الحسم الآلي والنفسي، حيث شرعت الوحدات الهندسية الإسرائيلية في استخدام روبوتات مجنزرة وآليات موجهة عن بعد مجهزة بكاميرات حرارية ومستشعرات غاز. وتتقدم هذه الآليات نحو الفتحات والمداخل التي يتم اكتشافها عقب عمليات القصف المكثف بقنابل أعماق شديدة الانفجار.
وبدأ الجيش الإسرائيلي في ضخ غازات خاصة شديدة الكثافة ومخرشة للأغشية المخاطية عبر فتحات التهوية والمنافذ المكتشفة.
ويهدف هذا التكتيك إلى تضييق خيارات المتحصنين في الداخل، وعزل الغرف الداخلية، وإجبارهم على الخروج أو الاستسلام نتيجة لنفاد الأكسجين سريعاً وتلوث البيئة المغلقة تحت الأرض.
حرب أنفاق مصغرة
من جهة أخرى، يرى المحلل السياسي نعمان جوهر الطيب أن معركة تلال علي الطاهر تجسد نموذجاً مصغراً لحرب الأنفاق المعقدة التي يصعب حسمها بالأساليب التقليدية، وأن إسرائيل لن تتراجع عن السيطرة على هذه التلة بعد أن وضعت ثقلها العسكري فيها.
ويوضح في تصريح لـ"إرم نيوز"، أن المؤشرات كافة تؤكد أن ساعة الحسم تقترب تدريجياً عبر أسلوب القضم البري لبلدتي كفرتبنيت والنبطية الفوقا لإحكام الطوق الإنساني والعسكري على التلة.
ويقول إن استخدام الغازات والروبوتات يعكس رغبة تل أبيب في إنهاء الملف بأسرع وقت، لتسجيل إنجاز معنوي وميداني كبير يسقط أحد أهم رموز المنظومة الدفاعية للحزب في الجنوب.
ولا يمكن عزل هذا التصعيد المتسارع في تلال علي الطاهر عن الكواليس السياسية الدولية، إذ يتزامن هذا الغليان الميداني مع جولات المفاوضات غير المباشرة الجارية برعاية أمريكية ودولية، التي تُعرف في الأوساط الدبلوماسية بمباحثات روما، والتعديلات المقترحة على القرار الدولي رقم 1701.
وتفيد التقارير الدبلوماسية بأن تل أبيب تسعى، عبر فرض سيطرتها الكاملة على تلال علي الطاهر، إلى امتلاك ورقة ضغط تفاوضية ذهبية على الطاولة لإجبار الجانب اللبناني وحزب الله على القبول بالصيغة الأمنية المقترحة.
وتنص الصيغة المقترحة على إخلاء المنطقة الواقعة جنوب نهر الليطاني وشماله، بمسافات محددة، من أي مظاهر مسلحة، وتسليم هذه التلال الاستراتيجية حصراً للجيش اللبناني ضمن ما يُطرح كخطط أمنية تجريبية.
وفي ضوء المعطيات السابقة، فإن الأيام القليلة المقبلة ستكون حاسمة في تحديد مصير تلال علي الطاهر؛ فإما أن تنجح التكنولوجيا العسكرية الإسرائيلية وحصار الغاز المتطور في إجبار المتحصنين على الاستسلام وإنهاء المعركة بانتصار ميداني واضح لتل أبيب، وإما أن تصمد "مدينة الملجأ" الصخرية وتثبت خطوط الإمداد السرية جدارتها؛ مما يضع القوات الإسرائيلية أمام استعصاء ميداني يجبرها على مراجعة حساباتها العسكرية أو الانزلاق نحو اقتحام بري قد يفتح الباب لتوسيع رقعة المواجهة الشاملة على امتداد جبهات الجنوب اللبناني كافة.