المصدر: eremnews
الجمعة 5 حزيران 2026 19:14:49
قال مصدران لبنانيان أمني وسياسي لـ "إرم نيوز" إن الجانب الأقل ظهوراً في صيغة "المناطق التجريبية" المطروحة ضمن المفاوضات المباشرة بين لبنان وإسرائيل برعاية أميركية لا يتعلق فقط بمنع السلاح أو إخلاء عناصر حزب الله من مناطق محددة، بل بسحب واحدة من أهم أوراق نفوذ الحزب داخل بيئته، وهي ورقة التعويضات وإعادة الإعمار وعودة النازحين.
يكشف المصدر الأمني أن "المناطق التجريبية لا تُناقش كترتيب أمني فقط. مضيفا أن الفكرة الأعمق هي اختبار نموذج تكون فيه الدولة اللبنانية، لا حزب الله، هي الجهة التي تسجل الأضرار، وتدير عودة السكان، وتنسق المساعدات، وتشرف على إعادة الإعمار".
وبحسب المصدرين، فإن واشنطن تضغط باتجاه ربط أي تمويل دولي واسع لإعادة إعمار الجنوب بآليات رسمية تمر عبر الدولة اللبنانية والجيش والوزارات المعنية، مع منع تحويل الأموال إلى قنوات حزبية أو جمعيات ومؤسسات مرتبطة بحزب الله بشكل مباشر أو غير مباشر.
دفتر الأضرار قبل دفتر السلاح
يرى المصدر السياسي أن ما يُطرح اليوم يتجاوز فكرة "من ينتشر في البلدة" إلى سؤال أكثر حساسية: من يملك قاعدة بيانات المتضررين؟
ففي التجارب السابقة، خصوصاً بعد حرب تموز، تحرك حزب الله بسرعة عبر مؤسساته وشبكاته المحلية، مستفيداً من أموال إيرانية كانت تصل إليه، ثم يعيد توزيعها على بيئته عبر التعويضات والمساعدات وبدلات الإيجار وإعادة البناء.
ويقول المصدر السياسي إن "المعادلة القديمة كانت أن إيران تدفع لحزب الله، وحزب الله يدفع لجمهوره. بهذا المعنى، لم تكن التعويضات عملاً إغاثياً فقط، بل أداة سياسية لإعادة تثبيت الولاء بعد كل حرب".
لكن حجم الدمار الحالي وكلفة إعادة الإعمار يجعلان تكرار النموذج السابق أكثر صعوبة. فالتقديرات الدولية تتحدث عن احتياجات تعافٍ وإعمار تقارب 11 مليار دولار، بينها مليارات مخصصة للإسكان والبنى التحتية والخدمات، وهي أرقام تفوق قدرة الحزب وإيران على تغطيتها منفردين بالوتيرة القديمة.
الضغط الأميركي والإسرائيلي
بحسب المصدر الأمني، تنظر واشنطن إلى هذا الملف بوصفه مدخلاً عملياً لتقليص نفوذ حزب الله من دون الذهاب فوراً إلى مواجهة شاملة حول سلاحه.
وتقوم الفكرة على أن نجاح "منطقة تجريبية" واحدة، يعود إليها السكان عبر الدولة، وتُصرف فيها التعويضات وفق سجل رسمي موحد، وتُدار مشاريعها عبر الوزارات والجيش والمانحين، سيخلق نموذجاً قابلاً للتوسيع لاحقاً.
ويضيف المصدر أن "إسرائيل تريد منطقة لا يظهر فيها حزب الله عسكرياً، أما واشنطن فتريد ما هو أعمق؛ منطقة لا يعود فيها الحزب وسيطاً إلزامياً بين الناس والمال والسكن والخدمات".
وتشير المعلومات إلى أن بعض النقاشات تطرقت إلى ضرورة إنشاء سجل أضرار مركزي، وتحديد لوائح المستفيدين بإشراف رسمي، ومنع الازدواجية بين لوائح الدولة ولوائح الحزب، لأن الازدواجية تعني عملياً بقاء الحزب ممسكاً بمفاتيح العودة والتعويض.
قلق حزب الله
من جهته، يرفض حزب الله أي صيغة تبدو وكأنها تستثمر حاجة الناس للعودة والإعمار لفرض ترتيبات سياسية أو أمنية جديدة. لكنه، وفق المصدرين، يتعامل مع صيغة المناطق التجريبية بقلق واضح لأنها تمس منطقة نفوذه الاجتماعي لا العسكري فقط.
ويقول المصدر السياسي إن "الحزب يستطيع أن يقول لجمهوره إن السلاح باقٍ، لكنه لا يستطيع تجاهل سؤال العائلات عمن سيدفع بدل الإيجار ويرمم البيوت وفتح المحلات".
لهذا تبدو معركة التعويضات، في نظر الحزب، أخطر من بعض البنود الأمنية. فخسارة إدارة الإعمار تعني أن الدولة قد تعود إلى الجنوب من بوابة البيت المهدّم، لا من بوابة الخطاب السياسي فقط.
وبحسب المصدر الأمني، فإن نجاح هذه الصيغة سيؤدي تدريجياً إلى تقليص قدرة الحزب على تقديم نفسه كدولة بديلة. أما فشلها، فسيمنحه فرصة للقول إن الدولة عاجزة، وإن الخارج يبتز الناس، وإن الطريق الوحيد إلى العودة يمر مجدداً عبر مؤسساته وشبكاته.
في هذا المعنى، لا تبدو "المناطق التجريبية" مجرد بند أمني في تفاهم ناشئ، بل اختباراً سياسياً واجتماعياً واسعاً، يجيب على سؤال: هل تستطيع الدولة اللبنانية، بدعم أميركي ودولي، أن تنتزع من حزب الله وظيفة الإعمار والتعويض، أم ينجح الحزب في تحويل الخراب مرة أخرى إلى فرصة لإعادة تثبيت نفوذه؟