المناطق النموذجية… الاختبار الأول لاتفاق واشنطن

لم يعد الحديث عن "المناطق النموذجية" في جنوب لبنان مجرد تفصيل تقني ضمن الإطار المنبثق عن مفاوضات واشنطن، بل تحوّل إلى الاختبار الفعلي الأول لمدى قدرة الاتفاق على الانتقال من الورق إلى الميدان، في منطقة لا تزال تحتفظ بكل عناصر الاشتعال العسكري والأمني والسياسي.

وفي هذا السياق، اكتسب اللقاء الذي جمع رئيس الحكومة نواف سلام بقائد الجيش العماد رودولف هيكل أهمية خاصة، في ضوء البحث في التحضيرات لتنفيذ الإطار الجديد، ولا سيما البدء بانسحاب إسرائيل من المناطق النموذجية.

وتؤكد المعطيات لـ"نداء الوطن" أن قائد الجيش جدّد التزام المؤسسة العسكرية تنفيذ الآلية المتفق عليها بحذافيرها، فور بدء الانسحاب الإسرائيلي وانتقال المسؤولية الأمنية إلى الجيش اللبناني.

مصدر عسكري مواكب أوضح لـ"نداء الوطن" أن نجاح المناطق النموذجية لا يقاس بعدد الاجتماعات أو البيانات السياسية، بل بمجموعة معايير ميدانية واضحة ستحدد مصير التجربة برمتها.

ويتمثل المعيار الأول، وفق المصدر، في حصول انسحاب إسرائيلي فعلي من مناطق كانت القوات الإسرائيلية موجودة فيها ميدانيًا، وليس الاكتفاء باستمرار السيطرة بالنار أو من خلال النيران البعيدة، لأن ذلك سيجعل من الخطوة مجرد إجراء رمزي لا تجربة حقيقية.

أما المعيار الثاني، فيتمثل بقدرة الجيش اللبناني على الانتشار السريع والفعال فور الانسحاب الإسرائيلي، بما يمنع نشوء أي فراغ أمني بين خروج الجيش الإسرائيلي ودخول الجيش اللبناني إلى تلك المناطق.

ويبرز المعيار الثالث في حصرية السلاح بيد الدولة اللبنانية، بحيث لا تعود هناك أي مجموعات مسلحة أو بنى عسكرية خارج إطار الجيش اللبناني، في ما يشكل الاختبار الأكثر حساسية وتعقيدًا في الاتفاق بأكمله.

أما المعيار الرابع، فيرتبط بوقف الخروقات من الجانبين، فلا تستمر إسرائيل في غاراتها وتوغلاتها وتحليقها الجوي شبه اليومي، وفي المقابل لا تعود الصواريخ أو المسيّرات إلى الواجهة مجددًا من جانب "حزب الله".

في المقابل، يشدد المصدر على أن نجاح المناطق النموذجية لا يمكن أن يقتصر على الجانب العسكري فقط، بل يحتاج أيضًا إلى عودة المدنيين وإطلاق عملية إعادة الإعمار، لأن أي منطقة تبقى فارغة من سكانها وتفتقر إلى مقومات الحياة الطبيعية لا يمكن اعتبارها نموذجًا ناجحًا للاستقرار.

أضف إلى ذلك وجود آلية مراقبة واضحة وشفافة تتولى متابعة التنفيذ وتوثيق الخروقات ومنع أي طرف من فرض تفسيره الأحادي للاتفاق، لأن غياب جهة رقابية واضحة سيؤدي حكمًا إلى تبادل الاتهامات وتحميل المسؤوليات عند أول اهتزاز ميداني.

أما ميدانيًا، فتبدو تلة علي الطاهر الاختبار الأصعب والأكثر حساسية ضمن هذه التجربة.

فبحسب المصدر العسكري، تنظر إسرائيل إلى علي الطاهر باعتبارها عقدة استراتيجية أساسية تشرف على مناطق واسعة وصولا إلى النبطية، فيما يعتبرها "حزب الله" جزءًا من عمقه الدفاعي في محيط المدينة.

ومن هنا، فإن إدراج علي الطاهر ضمن المناطق النموذجية سيشكّل الامتحان الحقيقي لـ"صيغة الإطار" برمّته، إذ ستُطرح مجموعة من الأسئلة المفصلية: هل ستنسحب إسرائيل فعلا من محيط التلة ومواقعها المرتفعة؟ وهل سيتمكن الجيش اللبناني من الانتشار منفردًا داخلها؟ وهل سيكون قادرًا على منع عودة أي بنية عسكرية غير شرعية إليها مجددًا؟

الإجابات عن هذه الأسئلة، وفق المصدر، ستحدد ما إذا كانت التجربة ستتحول إلى نموذج قابل للتوسع على امتداد الجنوب، أو أنها ستبقى مجرد محطة موقتة سرعان ما تعود بعدها المنطقة إلى دائرة التصعيد.

وفي موازاة ذلك، يزور قائد القيادة المركزية الأميركية براد كوبر بيروت نهاية الأسبوع الحالي حاملا تقريرًا يتعلق بالمناطق التجريبية وانتشار الجيش اللبناني وخطة الانسحاب الإسرائيلي من جنوب لبنان، على أن يعود لاستكمال البحث في آليات تنفيذ الانسحاب ومراحل تطبيق الاتفاق.

إلا أن المصادر تؤكد أن أي موعد دقيق للانسحاب الإسرائيلي من المناطق النموذجية لم يحدد حتى الساعة، ما يبقي كل السيناريوهات مفتوحة بانتظار ترجمة التعهدات إلى خطوات ميدانية.

في المحصلة، تبدو المناطق النموذجية أكثر من مجرد ترتيبات أمنية محدودة، فهي تمثل اختبارًا ميدانيًا لقدرة جميع الأطراف على الالتزام بقواعد اشتباك جديدة، واختبارًا موازيًا لقدرة الدولة اللبنانية، على استعادة حضورها الكامل في الجنوب.