الثلاثاء 26 تموز 2022

06:41

المنطقة تستعد لدخول مدار التفاهم الإيراني ـ السعودي

المصدر: الجمهورية
الكاتب: جورج شاهين

في الوقت الذي تواصلت القراءات لنتائج قمّتي جدة وطهران، والبحث في جدول المقارنة بما انتهت إليه كل منهما، ظهر لمراجع ديبلوماسية أنهما لم يكونا عائقاً أمام التقدم على مسارات ثنائية اخرى أبرزها المفاوضات الايرانية ـ السعودية المتقطعة التي تستضيفها بغداد. وهو ما أوحَت به المواقف العراقية الاخيرة التي تحدثت عن نقلة نوعية من الحوار الأمني والمخابراتي الى المستوى الديبلوماسي. فما الذي يقود الى هذه التوقعات؟

لم يُفاجَأ أيّ من المراقبين بِما حقّقته حكومة الرئيس مصطفى الكاظمي من رعايتها للحوار الايراني ـ السعودي واستضافته مِن تقدّم، فما تَضمّنه التصريح الذي أدلى به قبل أيام وزير الخارجية العراقي فؤاد حسين كَشفَ النقاب عن طلب سعودي جاءه من ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان من اجل استضافة لقاء يجمع وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان مع نظيره الايراني حسين امير عبداللهيان في ‎العاصمة العراقية بغداد. فكل المعلومات التي حملتها التقارير الديبلوماسية منذ فترة تحدثت عن تفاهم بينهما قد تحقّق وهو يقضي بنقل المفاوضات التي انعقدت في حلقتها الخامسة في 23 نيسان الماضي من المستوى الأمني والمخابراتي الى المستوى الديبلوماسي، لافتاً الى أنه «سيكون لقاء علنياً».

وانطلاقاً من هذا التطور الذي تحدثَ عنه رأس الديبلوماسية العراقية، فقد تلاقت المعلومات التي تحدثت عنها التقارير الديبلوماسية «غير المشفرة» التي وردت من بغداد عن تقدّم ملموس على مسار المفاوضات الثنائية بين طهران والرياض، والتي ترجمتها سياسة مد اليد الخليجية التي حملتها البيانات التي صدرت عن مجموعة القمم الثنائية التي شهدتها جدة وتلك التي تم التداول بها على هامش القمة «الاميركية ـ الخليجية ـ العربية» الموسعة قبل ايام من انعقاد «قمة طهران».

 

وإن تجاهلت قمة طهران الثلاثية في بيانها الختامي المسارات المنفصلة عن مسار القمتين بمحوَريها الكبيرين، فإنّ ما تسرّب منها كان كافياً للحديث عن حرص الدول الثلاث روسيا وإيران وتركيا على المضي في المشاورات التي تقودها كل منها منفردة. فالرئيس الروسي فلاديمير بوتين لن يتوقف عن بذل الجهود من اجل تجاوز العقوبات التي تعرضت لها بلاده جرّاء غزوها لأوكرانيا، كما طهران التي تسعى بكل قواها الديبلوماسية الى تسوية علاقاتها مع دول الخليج العربي والسعودية إحداها، عدا عن فك العقوبات المفروضة على قطاعاتها النفطية والانتاجية والعسكرية بفِعل العقوبات المشددة التي طاوَلت الحرس الثوري الإيراني وإدراجها على لائحة المجموعات الإرهابية. كما تلك التي انعكست على قطاعات واسعة كالطيران المدني الذي يستند في أعمال الصيانة والتطوير الى التقنيات والمعدات الاوروبية المتطورة ومن الولايات المتحدة الاميركية ولم ينفع توجّهها الى موسكو والصين للتعويض عن حاجاتها تلك ومعها ما طاوَل الصناعات الثقيلة.

 

ومن دون التوسّع في ما تحدثت عنه هذه التقارير فإنّ المعطيات الايجابية كانت قد سبقت تصريحات المسؤول العراقي، فجاء ليؤكّد على ما سبق تسرّبه من معلومات تَلت انعقاد الجلسة الخامسة من المفاوضات بين الطرفين في بغداد في 23 نيسان الماضي بعد استراحة طويلة امتدت من 20 أيلول 2021 والتفاهم على رفع مستواها من الامني الى الديبلوماسي، إلا أنها لم تتحدث يومها ان كانت ستعقد على أعلى المستويات بجَمع وزيرَي خارجية البلدين لما سيشكّله هذا التطور من مؤشرات عن بلوغها مراحل متقدمة تتجاوز الترتيبات المحدودة التي اتخذها الطرفان في وقت سابق.

 

وقالت المصادر ان رفع المملكة العربية السعودية من حصة الإيرانيين الراغبين في الحج والعمرة الى المواقع المقدسة في مكة المكرمة لهذا العام شكل مؤشراً لافتاً. ولكنها على رغم من أهميتها فإنها لا تتجاوز التفاهم بين العاصمتين في الجلسة الخامسة من مفاوضاتهما على الترتيبات التي تم إطلاقها بما يخص مصير حرب اليمن. فالتوصل إلى أول وقفٍ لإطلاق النار لم يتحقق من قبل وجاء تمديد العمل به لأكثر من مرة حتى الأمس القريب ليعزز وجود النية لدى الطرفين بالتوصل الى حل سياسي ينهي العمليات العسكرية.

 

والى هذا الإنجاز الأمني الذي لا يمكن اخفاء تردداته على الساحة اليمنية ومحيطها، فإنّ التقارير الديبلوماسية لا تتجاهل تلك السياسة التي ينفذها طرفا النزاع الداخلي فيها السلطة المُعترف بها خليجيا ودوليا والحوثيين. فقد كان واضحا الضغط السعودي الذي ادى الى استقالة طوعية للرئيس اليمني عبد الهادي منصور الذي كانت تستضيفه الرياض وتموّله مع حكومته من اجل تشكيل مجلس قيادة يزيد بتمثيله الواسع المكونات اليمنية التي يمكنها ان تفتح حوارا مجديا مع الحوثيين في مقابل تعهّد ايران للمرة الاولى منذ اندلاع الحرب في البلاد بالسعي الى فرض ترتيبات مماثلة لدى الحوثيين تقودهم الى الحل السياسي. وهو ما شكّل اعترافا إيرانيا غير مسبوق بدورها الفاعل في ادارة النزاع اليمني وخصوصا لجهة بناء قدرات الحوثيين العسكرية والتكنولوجية ومنها الصواريخ البالستية والطائرات المسيرة، سواء قامت بها مباشرة عن طريق خبرائها او تلك التي تقدمها أذرعتها في المنطقة و»حزب الله» واحد منها.

 

وعليه، طُرِحَت الاسئلة عن حصة لبنان في هذا التفاهم وسط عدد من السيناريوهات الغامضة، فما يجري على الساحة اللبنانية لا يطمئن حتى الآن ولا يقاس بما أُعِدّ لليمن. ولذلك بقيت المخاوف قائمة في موازاة الآمال بخطوات ايجابية يترجمها «حزب الله» لجهة التخفيف من هجماته الإعلامية على المملكة ودول مجلس التعاون كما بالنسبة الى الوضع الداخلي. فقد أثارت مُسيّراته في اتجاه «حقل كاريش» مخاوف جدية من وجود قرار ايراني بالعرقلة لضرب الوساطة الاميركية ان صدقت نيّاتها بلعب دور «الوسيط المسهل» لمفاوضات الترسيم بعدما نال موفدها عاموس هوكشتاين بعضاً ممّا اشتهاه من حل لمصير «الخط المتعرج» الذي اقترحه. ولم يستطع، ومعه الديبلوماسية الاميركية، أن يُخفيا من ارتياح الى الموقف اللبناني الجامع مما طرح.

 

والى هذه المؤشرات فإن العيون ستبقى شاخصة الى ما سيعلن عنه العراق في الايام القليلة المقبلة من خطوات لترجمة الرغبة باستئناف الحوار بين الرياض وطهران على مستوى وزيري خارجية البلدين على رغم من الضبابية التي تلف العلاقات بينهما. ولكن المتفائلين يبنون ايجاباً على ما أُعلِن من بغداد منذ ان عبّر رئيس دولة الإمارات العربية المتحدة على هامش قمة جدة عن نيته الإعلان عن استئناف التبادل الديبلوماسي بين أبوظبي وطهران لأنه قد يشكّل الدور الذي تقوم به «المفرزة الخليجية السباقة» التي وصلت الى ايران تمهيداً للخطوة السعودية المُشابهة، لتتوّج باللقاء المرتقب بين وزيري خارجية الدولتين فتدخل المنطقة مدار التفاهم الايراني ـ السعودي لنبدأ بإحصاء النتائج الايجابية على مراحل وعلى اكثر من ساحة مُلتهبة لعل لبنان يكون من بينها.