المصدر: نداء الوطن
الكاتب: شربل صفير
الجمعة 29 آب 2025 07:18:29
يُصنَّف البحر الأبيض المتوسط ضمن أكثر البحار تلوّثًا بالبلاستيك على مستوى العالم، إذ تشير الدراسات إلى أنّ أكثر من 80 % من هذا التلوّث يتكوّن من جزيئات البلاستيك الدقيقة (الميكروبلاستيك)، وهي مواد بالغة الخطورة لكونها تدخل في السلسلة الغذائية للكائنات البحرية وتصل في نهاية المطاف إلى موائد البشر.
في لبنان، تكشف البيانات أنّ نحو 76 % من النفايات البحرية هي من البلاستيك، وتشمل الأغطية والزجاجات وفتات البلاستيك ومرشحات السجائر، وصولًا إلى الأكياس والعبوات والشباك الممزّقة والأحذية والملابس التي تكدّست على الشواطئ. ومع تزايد النشاط البشري على الساحل وغياب سياسات فعّالة لإدارة النفايات، تتفاقم الأزمة عامًا بعد عام، مهدّدة الثروة البحرية والاقتصاد المحلّي على حدّ سواء.
ضربة قاسية للصيّادين اللبنانيين
لم يعد البحر ملاذًا آمنًا للصيّادين، بل أصبح مصدر قلق وخسارة. النفايات البلاستيكية تدمّر الموائل البحرية التي تعتمد عليها الأسماك في التكاثر والنموّ، ما يقلّل من وفرة المصيد ويؤثر في جودته. بالإضافة إلى ذلك، تتسبّب الأكياس والزجاجات العائمة في تلف معدّات الصيد، خصوصًا الشباك، ما يؤدّي إلى ارتفاع تكاليف الصيانة ويثقل كاهل الصيّادين بالخسائر.
أبو علي، صيّاد مخضرم من ميناء صور، قال في حديث لـ "نداء الوطن": "منذ عشرين عامًا وأنا أعمل في البحر، لكن في السنوات الأخيرة نصطاد بلاستيك أكثر من السمك. الشباك تتمزّق بسبب الأكياس والزجاجات، وهذا يكلّفنا كثيرًا. بعض الأيام نعود بلا أي ربح".
وفي الشمال، تتكرّر المعاناة. محمود، صيّاد شاب من طرابلس، أوضح لـ "نداء الوطن": "المشكلة ليست فقط في الكميّة الكبيرة من النفايات، حتى السمك صار أصغر وأقلّ. أعتقد أنّ البلاستيك يؤثر في غذاء السمك وصحته، وهذا ينعكس علينا مباشرة".
تحذيرات من الميدان والبحث العلمي
تحذيرات الصيادين تتقاطع مع النتائج العلمية التي تكشف حجم الكارثة. الباحثة في العلوم البحرية الدكتورة ليلى حطوم، أكّدت في تصريح لـ "نداء الوطن" أنّ "الميكروبلاستيك موجود الآن في أكثر من 90 % من عيّنات الأسماك التي جُمعت من الساحل اللبناني، ما يشكّل خطرًا مباشرًا على صحّة المستهلكين".
وشدّدت حطوم على أنّ "الحلّ لا يكمن في حملات التنظيف الموسمية فحسب، بل في وضع سياسات تحدّ من وصول البلاستيك إلى البحر من الأساس، مثل تقليل استخدام الأكياس البلاستيكية وتشجيع إعادة التدوير". وأضافت أنّ استمرار الوضع على حاله "سيحوّل البحر اللبناني إلى بيئة طاردة للكائنات البحرية، ويضرب واحدة من أقدم المهن في البلاد".
مبادرات لمواجهة الأزمة
ورغم قتامة المشهد، تشهد بعض المناطق اللبنانية جهودًا لمواجهة التلوّث البلاستيكي. من أبرزها مشروع "إزالة النفايات البلاستيكية من الشواطئ اللبنانية" الذي يهدف إلى تنظيف السواحل وتعزيز الوعي البيئي في المجتمعات المحلية. كما انطلقت مبادرات لإعادة تدوير البلاستيك وتحويله إلى منتجات قابلة للاستخدام، ما يساهم في خفض التلوّث وخلق فرص عمل في الوقت نفسه.
تهديد للتنوّع البيولوجي وأزمة اقتصاديّة
البلاستيك لا يهدّد فقط مهنة الصيد، بل يضرب التنوّع البيولوجي البحري في لبنان. فالنفايات العائمة والشباك المهملة (المعروفة بـ "أشباح الصيد") تقتل الأسماك والسلاحف البحرية وتدمّر الأعشاب البحرية التي تشكّل مأوى طبيعيًا للكائنات. ومع تراجع مخزون الأسماك، يجد الصيادون أنفسهم أمام معادلة صعبة: تكاليف أعلى، وأرباح أقلّ، ومهنة باتت مهدّدة بالاندثار.
وفي ظلّ غياب سياسات ردع حقيقية، يبقى التلوّث البلاستيكي في البحر اللبناني قنبلة بيئية موقوتة، تدقّ ناقوس الخطر على الصحة العامة والاقتصاد الساحلي والأمن الغذائي. والسؤال المطروح: هل يتحرّك المعنيّون قبل أن يفقد لبنان جزءًا من هويّته البحرية؟