النّصاب يسقط العفو والإعدام والإعلام... مجلس النواب ينجز تشريعاً منقوصاً

انتهى اليوم التشريعي في مجلس النواب بإقرار رزمة واسعة من القوانين، لكنه فشل في حسم أكثر البنود حساسية على جدول الأعمال، بعدما تحوّل فقدان النصاب إلى أداة سياسية أسقطت عملياً قوانين العفو العام، وإلغاء عقوبة الإعدام، والإعلام، لتخرج الجلسة بنتائج تشريعية منقوصة عكست حجم الانقسام داخل المجلس
وفقدت الجلسة الصباحية نصابها قبل البت بالبند المتعلق باحتساب ساعات المتعاقدين، ما دفع رئيس مجلس النواب نبيه بري إلى رفعها والدعوة إلى استئنافها مساءً. إلا أن بري حرص، قبل رفع الجلسة، على تلاوة المحضر، في خطوة دستورية هدفت إلى تثبيت القوانين التي أُقرت وجعلها نافذة، تحسباً لاستمرار فقدان النصاب وتعذر استكمال الجلسة.


وجاء سقوط النصاب عند طرح البند الأربعين المتعلق باقتراح قانون إلغاء عقوبة الإعدام، بعدما طالب رئيس كتلة "القوات اللبنانية" النائب جورج عدوان بتقديم بند العفو العام، المدرج برقم 44، على بند الإعدام. وعندما رُفض طلبه، انسحبت كتلة "القوات اللبنانية"، ما أدى إلى فقدان النصاب وتعليق الجلسة.

 

وأعقب ذلك سجال سياسي حاد، إذ انتقد النواب نبيل بدر ووليد البعريني وبلال الحشيمي خطوة "القوات"، ولا سيما أنهم كانوا من النواب الذين عملوا، بالتنسيق مع نائب رئيس المجلس إلياس بو صعب، على مشروع قانون العفو العام الذي لا يزال يواجه اعتراضات من مجموعة أخرى من النواب السنّة.

 

ومع تأمين النصاب مساءً، استأنف المجلس جلسته وواصل البحث في البنود المدرجة، إلا أن القوانين الخلافية بقيت خارج دائرة الإقرار.
وسُجل خلال الجلسة سجال بين وزير المال ياسين جابر ورئيس لجنة المال والموازنة النائب إبراهيم كنعان حول ملف إعادة هيكلة القطاع العام، حيث تبادل الطرفان المسؤولية عن عدم تنفيذ هذا الملف منذ عام 2017

.

كما سقط اقتراح القانون الرامي إلى احتساب ساعات المتعاقدين والمستعان بهم في القطاع التربوي، في ظل الظروف الاستثنائية الراهنة، وفق الساعات المنصوص عليها في العقود للعام الدراسي 2025-2026

.

في المقابل، أقر المجلس خلال الجلسة الصباحية عدداً من مشاريع واقتراحات القوانين، أبرزها تعديل المادة 42 من قانون الدفاع الوطني، بما يرفع مدة الدراسة في المدرسة الحربية من ثلاث إلى أربع سنوات، ويمنح خريجيها إجازات جامعية في اختصاصات العلوم السياسية والإدارة والجغرافيا، بما يواكب الأنظمة المعتمدة في عدد من الجيوش الحديثة.
وأقر تعديل المادة 58 من قانون الدفاع الوطني، بما يسمح للضباط الحاصلين على شهادات عليا بمزاولة مهنة التعليم، بعد نقاش مطول فرضه واقع عمل عدد كبير منهم في القطاع التربوي.

 

وشملت القوانين أيضاً زيادة مساهمة لبنان في رأسمال البنك الأوروبي لإعادة الإعمار والتنمية، وتعديل قانون إنشاء النقابة الإلزامية للمعالجين الفيزيائيين، وتعديل بعض أحكام قانون الضمان الاجتماعي، وإقرار قانون تنظيم الصليب الأحمر اللبناني وحماية شارته، إضافة إلى قانون الصيد المائي وتربية الأحياء المائية بعد إدخال تعديلات هدفت إلى حماية حقوق الصيادين، ولا سيما الصيادين الصغار.

 

واستحوذ اقتراح تعديل قانون تنظيم الجامعة اللبنانية الرقم 66/2009 على القسم الأكبر من النقاش، بعدما طُرح تعديل يتيح لرئيس الجامعة الترشح لولاية ثانية خلافاً للنص الحالي.

 

وخلال المناقشات، اعتبر النائب أنطوان حبشي أن القانون "مفصل على قياس شخص واحد"، فيما قال النائب جورج عقيص إن "لا أحد في هذه القاعة يجهل أن المقصود هو التمديد لرئيس الجامعة الحالي"، ليرد الرئيس بري قائلاً: "شو هالجريمة يعني؟".
في المقابل، دافع مؤيدو الاقتراح عنه، واستشهد النائب إدغار طرابلسي بتجارب جامعات عالمية، وكذلك الجامعة الأميركية والجامعة اليسوعية، معتبراً أن استمرار الرئيس الناجح قد يشكل عنصر استقرار للمؤسسة الأكاديمية. أما النائبة حليمة قعقور فرأت أن الولاية الثانية معمول بها في جامعات كثيرة، شرط ألا يكون الرئيس الحالي هو من يدير العملية الانتخابية.

 

واعترضت كتل نيابية على السير بالتعديل في ظل غياب مجلس الجامعة، معتبرة أن الأولوية يجب أن تكون لاستكمال بنيتها الإدارية. وبعد مداولات طويلة، جرى التوافق على تمديد ولاية رئيس الجامعة الحالي ستة أشهر، على أن تنجز الحكومة خلال هذه المهلة تشكيل مجلس الجامعة، قبل إعادة طرح الملف.

 

ولم تخلُ الجلسة من السجالات. فقد تجدد الخلاف بين النائبة بولا يعقوبيان ووزير الدفاع ميشال منسى، بعدما أصرت على مطالبته بالاعتذار عن البيان الذي أصدره بحقها عقب جلسة الثلاثاء.

 

وخلال مداخلتها المؤيدة لمشروع منح تلامذة الضباط شهادة جامعية، صفق عدد من النواب وهتفوا لها: "مبروك الصلحة"، إلا أنها أكدت أن "الصلحة لم تحصل"، وأنها لا تزال تنتظر اعتذاراً من الوزير، معتبرة أن بيانه تضمن "قلة تهذيب ورداً نابياً".

 

وأثار كلامها اعتراض نائب رئيس المجلس إلياس بو صعب، فيما طالب النائب أديب عبد المسيح بشطب العبارة من المحضر. ومع احتدام النقاش، تدخل الرئيس بري قائلاً: "يا جماعة، اليوم آخر جلسة... كل الجرايد مبارح قالت إنو كانت الجلسة فوضى، ما فينا نكمّل هيك"، في محاولة لاحتواء السجال.

 

وشهدت الجلسة مواجهة حادة بين رئيس حزب الكتائب النائب سامي الجميّل والنائب جهاد الصمد خلال مناقشة قانون يتعلق بالضباط. فبعدما اعتبر الجميّل أن الصمد "لا يعرف القانون"، رد الأخير مطالباً باحترامه، قبل أن يتطور السجال إلى تبادل عبارات قاسية انتهى بتدخل الرئيس بري وإقرار مشروع القانون برفع الأيدي.

 وهكذا، خرج مجلس النواب من جلسته التشريعية وقد أنجز عدداً كبيراً من القوانين الإدارية والتنظيمية، لكنه أخفق في مقاربة الملفات السياسية والقضائية الأكثر حساسية، بعدما أطاح فقدان النصاب العفوَ العام والإعدام والإعلام، في مشهد أكد أن الانقسام السياسي لا يزال قادراً على تعطيل أكثر الاستحقاقات إثارة للجدل داخل المجلس.