الهدنة بداية لمسار نحو "السلام الدائم"

انتهت الجولة الثالثة من المفاوضات بين لبنان وإسرائيل، والتي استضافتها وزارة الخارجية الأميركية، ببيان وصف هذه المحادثات بأنها عالية الإنتاجية، مشيرًا إلى أنه "سيُمدّد وقف الأعمال القتالية الذي بدأ في 16 نيسان لمدة 45 يومًا لإتاحة مزيد من التقدم". كما أعلن البيان أن وزارة الخارجية "ستعيد إطلاق المسار السياسي للمفاوضات في 2 و3 حزيران. وإضافة إلى ذلك، سيُطلق مسار أمني في البنتاغون في 29 أيار بمشاركة وفود عسكرية من البلدين".

البيان الأميركي لم يقدّم التهدئة على الحدود اللبنانية الإسرائيلية بوصفها مجرد هدنة موقتة، بل طرحها كبداية لمسار تفاوضي أوسع يعيد رسم العلاقة بين الأمن والسيادة والسياسة. فواشنطن، من خلال الجمع بين مسار سياسي تقوده وزارة الخارجية ومسار أمني يحتضنه البنتاغون، توحي بأنها تسعى إلى نقل الملف من إدارة التصعيد إلى اختبار ترتيبات دائمة قابلة للتنفيذ. من هنا، فإن أهمية هذا التطور لا تكمن فقط في تمديد وقف الأعمال القتالية، بل في كونه يكشف عن محاولة أميركية لوضع مستقبل الجنوب اللبناني في قلب معادلة إقليمية جديدة.

هذه الصياغة الأميركية تستحق التوقف عندها كلمة كلمة، لأنها لا تعلن فقط تمديدًا تقنيًا لوقف الأعمال القتالية، بل تكشف انتقالا إلى هندسة تفاوضية أكثر صرامة واتساعًا. فالبيان يثبت أولا أن مسار 16 نيسان لم يعد يُدار بمنطق الهدنة القصيرة التي تُجدَّد اضطرارًا، بل يجري تمديده هذه المرة لـ45 يومًا من أجل شراء وقت سياسي وأمني معًا. ويعني ذلك أن الولايات المتحدة لا ترى وقف النار هدفًا بحد ذاته، بل مجرد مظلة موقتة لبناء شيء أكبر: مسار سياسي يعود إلى وزارة الخارجية في 2 و3 حزيران، ومسار أمني منفصل ينطلق من البنتاغون في 29 أيار. وتشير مصادر دبلوماسية أميركية إلى أن هذا الفصل بين المسارين ليس تفصيلا إجرائيًا، بل إشارة إلى أن واشنطن تعتبر المشكلة على الحدود اللبنانية الإسرائيلية أكثر تعقيدًا من أن تُدار بالدبلوماسية وحدها، وأن أي تقدم سياسي بات مشروطًا بخطة أمنية قابلة للتطبيق والمتابعة والقياس.

الأهم أن البيان لا يكتفي بلغة "السلام الدائم"، بل يضيف عبارتين بالغتي الحساسية في السياق اللبناني الإسرائيلي: "الاعتراف الكامل بسيادة كل طرف وسلامته الإقليمية" و"إقامة أمن حقيقي على الحدود المشتركة".

وتشير مصادر دبلوماسية أميركية إلى أن واشنطن تختبر صيغة تفاوضية أكثر طموحًا من كل ما سبق: دفع لبنان وإسرائيل نحو إطار سياسي وأمني متوازيين، فيما يتحول ملف نزع سلاح "حزب الله" من بند مؤجل إلى الشرط الذي يحدد إن كانت الدبلوماسية ستتقدم، أم ستعود إلى منطق الهدن الموقتة والضربات المتبادلة.

من هنا، فإن المفاوضات اللبنانية الإسرائيلية دخلت مرحلة أكثر حساسية من مجرد استمرار للقاءات روتينية لمسار تفاوضي ناشئ، بل محاولة أميركية لإجبار الطرفين على اختبار سؤال لم تنجح كل الصيغ السابقة في حسمه: هل يمكن بناء تهدئة طويلة الأمد، أو حتى مسار سياسي أوسع، فيما يحتفظ "حزب الله" بترسانة مستقلة وقدرة منفصلة على تقرير السلم والحرب؟

هنا تكمن العقدة الحقيقية. فمصادر الإدارة الأميركية تؤكد أن واشنطن لم تعد تتعامل مع نزع سلاح "حزب الله" بوصفه هدفًا بعيد المدى أو نتيجة محتملة لنجاح التفاوض، بل باعتباره شرطًا بنيويًا لأي "سلام شامل وأمن مستدام". هذا الربط ظهر بوضوح في بيان وزارة الخارجية الأميركية الذي اعتبر أن أي اتفاق أوسع مشروط بـ"الاستعادة الكاملة لسلطة الدولة اللبنانية" و"النزع الكامل لسلاح حزب الله".

صبر أميركي أضيق مما يبدو

ما يتبدى جديدًا أيضًا هو أن واشنطن لم تعد تتحدث بلغة الوسيط الذي يكتفي بإبقاء القنوات مفتوحة. الفريق الذي يقود هذا المسار يتصرف على أساس أن اللحظة مؤاتية، ولكنها محدودة زمنيًا. لذلك تشدد الإدارة على الربط بين إعادة الإعمار، والسيادة، والأمن الحدودي، وتفكيك قدرات القوى الخارجة على الدولة. الرسالة الضمنية إلى بيروت واضحة: إذا لم تتحول المشاركة في التفاوض إلى حركة ملموسة في ملف "حزب الله"، فقد تتراجع الرغبة الأميركية في استثمار مزيد من الرأسمال السياسي. وفي الاتجاه المقابل، توجد رسالة إلى إسرائيل أيضًا: الضغط العسكري يجب أن يبقى مضبوطًا كي لا يؤدي إلى تدمير البنية السياسية نفسها التي تراهن واشنطن على تقويتها.

في الحقيقة، تقول المصادر الأميركية إن المخاطر هنا ليست نظرية. فـ"حزب الله" قد يقرأ أي خطة داخلية جدية لنزع سلاحه باعتبارها تهديدًا وجوديًا. يضاف إلى ذلك عامل إقليمي لا يمكن تجاهله: أي تفاهم أميركي إيراني مفاجئ. وهذا بالتحديد ما يجعل الدور الأميركي مركزيًا أكثر كلما بدا المسار هشًا.

من هنا يظهر المعنى العملي الحقيقي لما حصل في المفاوضات. فعندما تتحدث واشنطن عن "سيادة" و"أمن حقيقي"، فهي لا تصف مبادئ مجردة، بل تحدد، بلغة دبلوماسية مخففة، أن مشكلة لبنان المركزية لم تعد بالنسبة إليها الاحتلال أو الخروقات فقط، بل وجود قوة مسلحة موازية للدولة تحتفظ بقرار الحرب والسلم. وهذا ينسجم مع البيان الأميركي السابق في 8 أيار الذي ربط أي "سلام شامل" بـ"الاستعادة الكاملة لسلطة الدولة اللبنانية".

الجديد اليوم، تقول المصادر الأميركية، هو أن هذه الفكرة انتقلت من مستوى الشروط المعلنة إلى مستوى هندسة التفاوض نفسه: إذا كان هناك مسار أمني في البنتاغون بمشاركة عسكرية من الجانبين، فهذا يعني أن ملف السلاح، والانتشار، والتحقق، ومنع إعادة التموضع، بات في قلب التفاوض لا على هامشه. ومن هذه الزاوية، يبدو "حزب الله" حاضرًا في كل سطر من البيان رغم غيابه عن الطاولة.

لكن ما يعنيه هذا عمليًا للبنان هو شيء أكثر تعقيدًا بكثير مما توحي به اللغة الأميركية المنضبطة. فبيروت لا تزال تفضّل تسلسلا مختلفًا: وقفًا مستقرًا للضربات، تثبيتًا واضحًا للتهدئة، ثم انسحابًا إسرائيليًا من الأراضي الجنوبية. في المقابل، توحي الصياغة الأميركية بأن المسارين السياسي والأمني سيتقدمان معًا، لا تباعًا، أي أن لبنان لن يحصل على الهدوء الكامل أولا ثم يقرر لاحقًا ماذا يفعل بملف "حزب الله"، بل سيُطلب منه على الأرجح أن يقدم مؤشرات موازية على قدرة الدولة على استعادة السلطة الأمنية فيما لا تزال الترتيبات السياسية قيد الاختبار. وهذا هو جوهر النزاع الحقيقي حول "التسلسل": لبنان يريد أن يخلق الهدوء مساحة لبناء الدولة، بينما تريد واشنطن وإسرائيل استخدام التفاوض نفسه لاختبار ما إذا كانت الدولة قادرة أصلا على الحلول محل "الحزب".