الوساطات فاشلة والحرب مستمرة: واشنطن تعرض ترحيل مقاتلي الحزب

لم تصل كل المساعي الديبلوماسية، وخصوصاً تلك التي تبذلها فرنسا، إلى أي نتيجة حتى الآن لوقف الحرب الإسرائيلية على لبنان. إسرائيل تصر على مواصلة الحرب حتى تحقيق أهدافها. وتحصل في ذلك على ضوء أخضر أميركي واضح. الأميركيون يحمّلون الدولة اللبنانية مسؤولية كل التطورات، ويعتبرون أنها لم تلتزم بواجباتها في منع حزب الله من القتال وسحب سلاحه وامتلاك قرار الحرب والسلم، وهذا الموقف الأميركي يتيح لإسرائيل مواصلة عملياتها. كل المؤشرات في لبنان تشير إلى أن الحرب مستمرة ولا بوادر جدية لوقفها. وحدها فرنسا سعت إلى تقديم مبادرة لتجنب المزيد من التصعيد، لكنها لم تصل إلى نتيجة. 

 

المقترح الفرنسي

فبحسب ما تقول مصادر ديبلوماسية غربية، فإن المقترح الفرنسي في الأساس غير مقبول، لان باريس تعرض أن يتوقف حزب الله عن القتال وتنفيذ العمليات مقابل أن تتوقف إسرائيل عن عمليتها العسكرية، بينما إسرائيل تنتهز الفرصة لتدمير حزب الله بالكامل والاستفادة من قيادة أميركا للحرب ووجود قواتها في المنطقة. من هنا برزت تفاصيل جديدة في المقترح الفرنسي، وهو أن يعلن حزب الله وقف عملياته العسكرية بالكامل، كما يعلن التزاماً بحل جناحيه العسكري والأمني، وأن يعلن الالتزام بقرارات الدولة اللبنانية وتسليم سلاحه الكامل بمختلف أنواعه ومستوياته لها ودخول الجيش والقوى الأمنية إلى كل مواقعه، وتقديم تعهد علني بأن لا يعمل لاحقاً على القيام بأي نشاط عسكري أو إعادة بناء قدراته العسكرية، وتفكيك كل بناه التي تسمح بتمويل نفسه لإعادة إحياء نشاطه. كما أن المقترح الفرنسي ينص على إعلان رسمي لبناني بالاستعداد للدخول في مفاوضات سياسية مباشرة مع إسرائيل هدفها الوصول إلى اتفاق سلام. وبحسب المعلومات فإن لبنان أبدى الاستعداد للعودة إلى المفاوضات وفق أي صيغة مقابل وقف الحرب. 

 

الحزب: المعركة في بدايتها

لم يتلق لبنان أي إشارة حول موافقة إسرائيل على هذا المقترح، وعندما سئل الإسرائيليون طلبوا من الفرنسيين الحصول على موقف من حزب الله قبل أن يقدّموا جوابهم. لكن الحزب لم يقدم أي جواب. وهنا تتضارب المعلومات، إذ يشير بعضها إلى أن التواصل مقطوع مع الحزب، لذا لم يتم الحصول على جواب منه. أما معلومات أخرى فأشارت إلى أن الحزب لن يوافق على شروط الاستسلام المعروضة عليه، وهو يعتبر أن المعركة في بدايتها، وسيكون قادراً على إلحاق الأذى بإسرائيل، خصوصاً أنه يعتمد تكتيكاً مغايراً، وهو ما منحه القدرة على مواصلة عملياته من الشريط الحدودي، كما أن الحزب ينظر إلى الحرب على لبنان من سياقها الإقليمي وأنه لن تكون هناك إمكانية لوقفها قبل اتضاح الصورة في المنطقة. لذا هو يصر على الصمود وعدم التعرض لأي خديعة، لأنه في الحرب الماضية وخلال المفاوضات، كانت إسرائيل تلجأ لتنفيذ عمليات الاغتيال، وخصوصاً اغتيال السيد حسن نصرالله. 

 

بعد تعثر هذا المسار التفاوضي، أو عدم الوصول إلى حلّ، حاول لبنان مع الفرنسيين وغيرهم تجنيب الضاحية الجنوبية لعملية تدمير واسعة وممنهجة. عندها سعت فرنسا إلى العمل على تقليص العمليات العسكرية التي تستهدف الضاحية، من خلال اقتراح دخول الجيش اللبناني إلى الضاحية وتسلم كل مواقع حزب الله وتفكيك أي بنى عسكرية له، ولكن لم يوافق الحزب، كما أن إسرائيل لم تستجب لمسعى تأخير ضرباتها على الضاحية، وهي تريد استخدام هذه الغارات العنيفة، والتدمير والتهجير لأجل الضغط بشكل أكبر على الحزب، وإجباره على الاستسلام، كما أن الإسرائيلييين يلوّحون بمواصلة عمليتهم العسكرية لتحقيق أهدافهم، وإن كان ذلك سيأخذ وقتاً، وسيؤدي إلى دمار كبير في لبنان وبناه التحتية. 

 

لا ضمانات للبنان

بهذه المعادلة، يرفض الإسرائيليون إعطاء أي ضمانة لبنان أو أي منطقة أخرى، الضمانة الوحيدة التي تمكن لبنان من انتزاعها هي عدم استهداف المطار حتى الآن، واستمرار تأمين طريق هذا المرفق، كي يتمكن المسافرون من الانتقال باتجاهه، ولكن لا ضمانات بأن تبقى هذه الضمانة قائمة إلى نهاية الحرب، على الرغم من استمرار لبنان بمساعيه. 

 

شرط لعرقلة الاتفاق

في اتصالاتها تسعى فرنسا مع دول أوروبية وعربية لتقديم مساعدات للجيش اللبناني لتمكينه وتقويته، ودفعه إلى الدخول إلى مواقع الحزب واستلامها، وسط ضغوط دولية متزايدة على الجيش كي يعمل على سحب سلاح الحزب والسيطرة على مواقعه، ولو أدى ذلك إلى صدامات بين الجانبين. وهنا يقول مصدر ديبلوماسي: "أولوية السلاح تتقدم على أولوية الحفاظ على السلم الأهلي". حتى الآن لم يستجب الجيش لهذه الضغوط، ولكن لا يمكن التنبؤ بما يمكن أن يحصل لاحقاً، خصوصاً أن الدولة اللبنانية تتمسك بتطبيق قراراتها، وصولاً إلى حد اتخاذ قرار بملاحقة أي شخص له علاقة بالحرس الثوري الإيراني وفرض تأشيرات دخول على الإيرانيين، والأخطر من ذلك أن بعض الشروط التي يتم تسريبها من قبل الأميركيين والاسرائيليين تريد استنساخ ما جرى مع منظمة التحرير الفلسطينية بعد اجتياح بيروت عام 1982، أي المطالبة بخروج مقاتلي الحزب إلى خارج لبنان، وهذا الطرح يتماهى مع الاخلاءات والتهجير الممنهج الذي يعتمده الإسرائيليون في الجنوب والضاحية والبقاع، ومن سابع المستحيلات مجرد التفكير فيه بالنسبة إلى الحزب، لا بل هو شرط يوضع لعدم الوصول لأي اتفاق. 

 

المعركة مستمرة

في سياق المعركة، فإن المعلومات الديبلوماسية تشير إلى أن إسرائيل تريد فرض سيطرة كاملة على جنوب لبنان، وليس فقط جنوب الليطاني. ولا تشرح المصادر كيفية تحقيق ذلك، وما إذا كانت إسرائيل ستنفذ احتلالاً لكل الجنوب، أم نها ستتموضع في نقاط استراتيجية تكون من خلالها قادرة على التحكم والإشراف والسيطرة على أي تحرك سيشهده جنوب لبنان، وسط تخوف من أن تشن إسرائيل عملية برية تصل إلى شمال نهر الليطاني. 

 

وقائع جديدة

كل المسار يشير إلى أن المعركة مستمرة، ولا رجوع فيها إلى الوراء، وكلما استمرت ارتفع مستواها العسكري وازداد الضغط السياسي والديبلوماسي لفرض شروط أقسى وأقسى على لبنان. في حربها تريد اسرائيل أن تفرض وقائع جغرافية وديمغرافية جديدة. فالحرب التي تخوضها تريد لها أن تؤسس لأرض بلا ناس وبلا أي مقومات للحياة، إذ يتم استهداف كل البنى الخدماتية، وخصوصاً الكهرباء والمياه والاتصالات، وتمهد لتنفيذ عملية برية تنشر فيها جيشها على هذه الأراضي اللبنانية، من دون توفر أي ظروف لخروجه قريباً، إلا في حال أملت شروطها الكاملة على البلد وعلى المنطقة. وفي حال انسحبت ستكون قد فرضت وصاية سياسية على لبنان ودفعته إلى الالتزام بدفتر شروطها الدائم الذي لا ينتهي، وتتعاطى معه بشكل تدريجي كما تتعاطى مع الضفة الغربية، فتكون هي التي تدير شؤونه، وتبقى تهدده بمشاريع الاستيطان والقضم لأجزاء من مساحته.