المصدر: المدن

The official website of the Kataeb Party leader
الجمعة 29 أيار 2026 23:40:24
أفادت مصادر "المدن" بأنّ رئيس الجمهوريّة وقائد الجيش ومجموعة العمل يتابعون، لحظةً بلحظة، مسار المفاوضات الأمنيّة، العسكريّة الجارية في البنتاغون بين الوفدين اللبنانيّ والإسرائيليّ، برعايةٍ أميركيّة مباشرة.
وبحسب المصادر، فإنّ التواصل مفتوحٌ ومباشر مع الوفد العسكريّ اللبنانيّ، ومع السفيرين سيمون كرم وندى حمادة معوّض، لمواكبة مجريات البحث من جهة، وتثبيت الموقف اللبنانيّ داخل الاجتماع من جهة ثانية. وهذا يعني أنّ بيروت لا تتعامل مع جولة البنتاغون بوصفها اجتماعًا تقنيًّا منفصلًا عن القرار السياسي، بل بوصفها محطّة تفاوضيّة شديدة الحساسيّة، تُدار بين الميدان والديبلوماسيّة، وبين ضغط النار الإسرائيليّة ومحاولة واشنطن ضبط الإيقاع.
وقف إطلاق النار أوّلًا
في جوهر الموقف اللبناني، لا تبدو الأولويّة قابلة للتأويل: وقف إطلاق النار أوّلًا. فقد أصرّ الوفد اللبناني، خلال الجولة الأولى من المفاوضات العسكريّة، على تثبيت هذا المطلب كبندٍ مركزي، وعمل على منع انحراف النقاش نحو عناوين أخرى تريد إسرائيل تقديمها على وقف الحرب.
وبحسب المصادر، فإنّ لبنان يعتبر أنّ أيّ بحثٍ في الترتيبات الأمنيّة، أو في آليّات المراقبة، أو في دور الجيش اللبناني، يبقى معلّقًا وافتراضيًّا ما لم يسبقه تثبيتٌ واضح لوقف إطلاق النار. فالنقاش في ظلّ استمرار الغارات والتوغّلات والإنذارات بالإخلاء لا ينتج تسوية، بل يمنح إسرائيل فرصة لتحويل الضغط العسكري إلى جدول أعمال تفاوضي.
لذلك، يحاول الوفد اللبناني حصر المرحلة الأولى من البحث بسؤال واحد: كيف يتوقّف إطلاق النار؟ أمّا ما بعد ذلك، فيمكن أن يُبحث ضمن منطق الدولة اللبنانيّة، لا ضمن شروط تُفرض تحت تهديد الدبابات والمسيّرات والجرافات.
إسرائيل تفتح ملفّ المسيّرات والمنشآت شمال الليطاني
في المقابل، أفادت مصادر مطّلعة على اجتماع البنتاغون لـ"المدن" بأنّ الجانب الإسرائيلي يركّز في النقاشات على ملفّ مسيّرات حزب الله والمنشآت العسكريّة الموجودة شمال الليطاني. ووفق المصادر، عرض الوفد الإسرائيلي خرائط لعددٍ من المواقع التي يقول إنّها مرتبطة بحزب الله، ويريد من الجيش اللبناني العمل على تفكيكها وسحب سلاح الحزب منها.
هذا الطرح يكشف جوهر المقاربة الإسرائيليّة. فتل أبيب لا تريد الاكتفاء ببحث تثبيت وقف النار، بل تسعى إلى نقل الاجتماع من وظيفة التهدئة إلى وظيفة إعادة هندسة الأمن في الجنوب وما بعد الجنوب. أي إنّها تحاول تحويل المفاوضات من بحثٍ في وقف الحرب إلى بحثٍ في مستقبل سلاح حزب الله، ومواقع انتشاره، وقدرته على إعادة بناء بنيته العسكريّة.
وهنا تكمن العقدة السياسيّة والأمنيّة معًا. فلبنان يذهب إلى البنتاغون لانتزاع وقف إطلاق النار، بينما تذهب إسرائيل لمحاولة فرض جدول أعمال ما بعد الحرب قبل وقفها. وبذلك، يصبح الخلاف على ترتيب الأولويّات، لا على التفاصيل وحدها.
رفض لبناني لمطلبَين إسرائيليّين
في هذا السياق، أفادت معلومات بأنّ لبنان رفض مطلبَين طرحتهما إسرائيل خلال المفاوضات. يقضي الأوّل بإنشاء غرفة تنسيق أمني مشتركة، فيما يتعلّق الثاني بإقامة منطقة تجريبيّة لنزع سلاح حزب الله.
ويحمل الرفض اللبناني دلالات تتجاوز الشكل. فغرفة التنسيق الأمني المشتركة تعني، عمليًّا، فتح قناة تعاون مباشر بين الجيش اللبناني والجانب الإسرائيلي، وهو أمر ترفضه بيروت رفضًا حاسمًا. أمّا المنطقة التجريبيّة لنزع السلاح، فتبدو في القراءة اللبنانيّة محاولة إسرائيليّة لاختبار نموذج أمني يمكن تعميمه لاحقًا، بما يحوّل الجنوب إلى مختبر ترتيبات تُفرض على الدولة تحت الضغط العسكري.
لذلك، يتمسّك لبنان بأن يكون أيّ نقاش أمني لاحق مشروطًا أوّلًا بتثبيت وقف إطلاق النار، وثانيًا بأن يجري عبر الولايات المتّحدة كوسيط وضامن، لا عبر تعاون مباشر مع إسرائيل. فالجيش اللبناني، في المقاربة الرسميّة، ليس ذراعًا تنفيذيّة لشروط تل أبيب، بل مؤسّسة سياديّة يُفترض أن تتحرّك ضمن قرار الدولة ومصلحتها الوطنيّة.
رفض إسرائيلي للانسحاب
في المقابل، نقلت هيئة البث الإسرائيليّة أنّ إسرائيل رفضت، خلال المفاوضات، طلبًا لبنانيًّا بالانسحاب من جنوب لبنان. وبحسب الهيئة، طلب الوفد اللبناني انسحاب الجيش الإسرائيلي إلى ما وراء نهر الليطاني وصولًا إلى خطّ الحدود، لكنّ إسرائيل رفضت الطلب، معتبرةً أنّها لن تكون مستعدّة لتنفيذ هذا الانسحاب طالما أنّ هناك "تهديدًا قائمًا".
هذا الموقف يختصر مأزق التفاوض. لبنان يطلب وقف النار والانسحاب بوصفهما مدخلًا لأيّ نقاش سياسي أو أمني، فيما تشترط إسرائيل معالجة "التهديد" قبل الانسحاب. وبذلك، يتحوّل مفهوم التهديد إلى ذريعة مفتوحة لإبقاء القوّات الإسرائيليّة في مواقعها، وتوسيع هامش الحركة العسكريّة، وربط أيّ انسحاب لاحق بمدى قبول لبنان بترتيبات أمنيّة جديدة.
الأخطر أنّ رفض الانسحاب لا يأتي بمعزل عن التوغّلات الميدانيّة وتجاوز ما يُعرف بـ"الخطّ الأصفر"، بل يتكامل معها. فإسرائيل تريد أن تفاوض من مواقع تقدّمها، لا من حدود ما قبل التصعيد. وهذا يعني أنّ كلّ نقطة تحتلّها اليوم قد تتحوّل غدًا إلى بند تفاوضي، أو إلى ورقة ضغط في يدها.
إسرائيل تريد نقل النقاش إلى "ما بعد السلاح"
تكشف المعطيات أنّ الجانب الإسرائيلي يسعى إلى دفع اجتماع البنتاغون نحو مسار مختلف تمامًا. فبدل أن يكون البنتاغون منصّة لتثبيت وقف إطلاق النار، تحاول تل أبيب تحويله إلى غرفة ضغط أمني عنوانها العريض: نزع سلاح حزب الله، منع إعادة بناء قدراته، وفرض آليّات رقابة جديدة في الجنوب.
وبحسب مصادر دبلوماسيّة لـ"المدن"، فإنّ الاجتماع الأمني اللبناني، الإسرائيلي في البنتاغون لا يمكن التعويل عليه، في صيغته الحاليّة، لإنهاء حالة الحرب بين حزب الله وإسرائيل، لأنّ الهوّة بين جدولَي الأعمال اللبناني والإسرائيلي لا تزال واسعة. فالجانب اللبناني يذهب إلى الاجتماع بصفته مساحةً لوقف النار، فيما يذهب الجانب الإسرائيلي إليه بصفته امتدادًا سياسيًّا للحرب.
وتشير المصادر إلى أنّ إسرائيل مصرّة على تعاون عسكري مع الجيش اللبناني للمساهمة في نزع سلاح حزب الله. غير أنّ لبنان يرفض أيّ تعاون مباشر مع الجانب الإسرائيلي، ويتمسّك بأن يكون التنسيق، إذا وُجد، عبر الولايات المتّحدة الأميركيّة، لا مع إسرائيل. وهذا الرفض ليس تفصيلًا بروتوكوليًّا، بل موقف سياسي سيادي، لأنّ أيّ صيغة تعاون مباشر ستُفسَّر داخليًّا وخارجيًّا كأنّها إدخال لبنان في ترتيبات أمنيّة مشتركة مع دولة لا تزال تحتلّ وتعتدي.
لجنة مراقبة أم وصاية أمنيّة؟
من بين البنود التي طُرحت على طاولة النقاش، بحسب المصادر، اقتراح إسرائيلي بتشكيل لجنة مراقبة مشتركة يكون مقرّها في الولايات المتّحدة الأميركيّة. ظاهريًّا، يبدو الاقتراح بحثًا في آليّة متابعة. لكنّ جوهره السياسي أعمق بكثير، لأنّه يفتح الباب أمام نقل جزء من إدارة الأمن الجنوبي إلى إطار خارجي دائم، وربّما إلى صيغة رقابة تتجاوز القرار اللبناني المباشر.
هنا تكمن حساسيّة الموقف اللبناني. فبيروت لا ترفض مبدأ المراقبة بما هو أداة لتثبيت التهدئة، لكنّها ترفض أن تتحوّل المراقبة إلى قيدٍ على السيادة، أو إلى قناة تُلزم الجيش اللبناني بتنسيق مباشر مع إسرائيل. ولذلك، يتمسّك لبنان بأن تكون الولايات المتّحدة وسيطًا وضامنًا، لا بوّابةً لفرض شراكة أمنيّة مع تل أبيب.
واشنطن بين الضغط والضمانات
في هذا السياق، أفادت تسريبات بأنّ وزير الخارجيّة الأميركي ماركو روبيو أكّد لرئيس الجمهوريّة العماد جوزاف عون أنّ الإدارة الأميركيّة ستضغط على إسرائيل لتحقيق مطلب لبنان بتثبيت وقف إطلاق النار. هذا الموقف، إذا تُرجم عمليًّا، يشكّل الورقة الأهمّ التي تراهن عليها بيروت في هذه المرحلة.
لكنّ المشكلة أنّ الضغط الأميركي لا يزال، حتّى الآن، سياسيًّا أكثر ممّا هو تنفيذي. فالمفاوضات في البنتاغون لم تتوصّل، حتّى اللحظة، إلى اتفاق لتثبيت وقف إطلاق النار، كما لم تحقّق تقدّمًا فعليًّا في جوهر المطلب اللبناني. وهذا يعني أنّ واشنطن لا تزال تمسك العصا من الوسط: تستمع إلى هواجس لبنان، وتتفهم مطالب إسرائيل، وتحاول إبقاء المسار مفتوحًا من دون الانفجار.
وبحسب التسريبات، فإنّ المفاوضات تركّز أيضًا على آليّات منع إعادة بناء القدرات العسكريّة لحزب الله، وتعزيز دور الجيش اللبناني في الجنوب. وهذه نقطة ستبقى شديدة التعقيد، لأنّ إسرائيل تريد تحويلها إلى شرط مسبق، بينما يريدها لبنان نتيجةً لمسار يبدأ بوقف النار، لا بديلًا عنه.
بعبدا والسفارة والوفد: حلقة اتصال مفتوحة
في موازاة الاجتماع، يتابع السفيران ندى حمادة معوّض وسيمون كرم، من السفارة اللبنانيّة في واشنطن، مجريات اجتماع البنتاغون، ضمن حلقة اتصال مفتوحة بين بعبدا والسفارة والوفد العسكري اللبناني. هذه المتابعة المباشرة تعكس إدراكًا لبنانيًّا بأنّ الاجتماع ليس محصورًا بالعسكر، بل يتّصل مباشرةً بموقع الدولة في أيّ ترتيب مقبل.
فلبنان يريد أن يثبت أنّه حاضر كدولة، وأنّ الجيش اللبناني ليس طرفًا ملحقًا بالتفاوض، بل مؤسّسة وطنيّة يُفترض أن تشكّل جزءًا من أيّ حلّ، شرط ألّا يُطلب منها أن تتحوّل إلى أداة في مشروع إسرائيلي لنزع السلاح بالقوّة أو تحت الضغط.
اجتماع تحت ضغط التصعيد
بدأ اجتماع البنتاغون في ظلّ تصعيد إسرائيلي ميداني واسع، واحتلال مناطق تجاوزت ما يُعرف بـ"الخطّ الأصفر"، في وقت بدت فيه إسرائيل كأنّها تستبق المسار الأمني خشية أيّ ضغط أميركي محتمل لوقف الحرب. وبذلك، لم يكن التفاوض منفصلًا عن الميدان، بل جاء محكومًا بإيقاعه.
المعادلة واضحة: إسرائيل توسّع النيران لتقوية موقعها على الطاولة، ولبنان يحاول تثبيت وقف النار لمنع تحويل الطاولة إلى ترجمة سياسيّة لما تحقّقه إسرائيل بالقوّة. وبين هذين المنطقين، تحاول واشنطن إدارة التناقض من دون أن تنفجر الجولة التفاوضيّة قبل موعد الجولة السياسيّة المباشرة في 2 و3 حزيران المقبل.