المصدر: نداء الوطن
الكاتب: أمل شموني
الجمعة 26 حزيران 2026 06:45:10
انتهت الجولة الخامسة من المحادثات بين لبنان وإسرائيل في واشنطن بإيجابية، مع الاستعداد لتوقيع "إعلان نوايا" للتفاهمات بين الطرفين، يتضمن انسحابًا جزئيًا للقوات الإسرائيلية في إطار إقامة المناطق التجريبية. وقد مارست الولايات المتحدة ضغوطًا مكثفة للتوصل إلى هذا الاتفاق، وسط أجواء مشحونة بالحذر. فقد سعى الدبلوماسيون الأميركيون إلى إنقاذ إطار عمل يحدد، على الأقل، مسارًا للمضي قدمًا في المستقبل. المحادثات التي تأرجحت بين السعي إلى إعلان نوايا وتحقيق اختراق شامل، بدت طيلة اليوم الثالث متعثرة، وخيّمت عليها الخلافات الجوهرية حول المناطق التجريبية، وتسلسل مراحل الانسحاب وإعادة التموضع، ودور "حزب الله".
ورغم سعي الخارجية الأميركية إلى تصوير المحادثات باعتبارها انفراجة دبلوماسية، من خلال إعادة تفعيل آلية المراقبة التي باتت تستخدمها القيادة المركزية الأميركية للتنسيق المباشر مع كل من إسرائيل ولبنان، اعتبر روبيو أن هذا الإجراء منح واشنطن رؤية أوضح للأحداث وقلّل من الاعتماد على الروايات المتضاربة. كما شدّد على أن المحادثات تجري بين حكومتين ذواتي سيادة، وليس مع حزب الله، مؤكدًا بذلك وجهة نظر واشنطن بأن "الحزب" لا يمثل الصوت الشرعي للبنان.
وسعى الوسيط الأميركي خلال المحادثات إلى تحويل النقاش إلى إطار عمل عملياتي، إلا أنه اصطدم بضعف الاتفاق على آليات التنفيذ. فقد ظلّت المنطقة التجريبية وتسلسل خطوات الانسحاب وإعادة التموضع المقترحين هما العقبتين الرئيسيتين.
ويرغب لبنان في أن تبدأ التجربة في مناطق تحتلها إسرائيل حاليًا، لتكون بذلك خطوة أولى نحو انسحاب حقيقي واستعادة لبنان لأراضيه. في المقابل، تريد إسرائيل أن يبدأ الانتشار التجريبي في مناطق لا توجد فيها حاليًا، معتبرة ذلك اختبارًا لأداء الجيش قبل الإقدام على أي انسحاب أوسع نطاقًا.
كذلك الأمر بالنسبة إلى تسلسل خطوات الانسحاب وإعادة التموضع، فبيروت تضغط للحصول على التزام إسرائيلي واضح بالانسحاب كجزء من أي "إعلان نوايا"، بينما تصر إسرائيل على ألا يتم الانسحاب إلا بعد أن يثبت الجيش قدرته على السيطرة على الأرض، ومنع عودة "حزب الله"، وتقديم ضمانات أمنية موثوقة. وقد حاولت واشنطن ردم الهوة بين الطرفين عبر طرح صيغة مرحلية ترتبط بمعايير محددة.
وتعلم واشنطن أن لبنان يسعى إلى مكسب رمزي وسياسي فوري من خلال تحديد المناطق التجريبية حيث تتمركز القوات الإسرائيلية حاليًا. وكذلك تعي واشنطن أن إسرائيل، المدعومة حاليًا بعقيدة أمنية أكثر صرامة بعد 7 أكتوبر، تريد عكس ذلك.
غير أن المعضلة الأبرز في خلفية المشهد ظلّت سلاح "حزب الله". إذ ترى مصادر أميركية أن "الحزب" هو السبب الرئيسي وراء صعوبة هذه المحادثات، نظرًا إلى احتفاظه بقوة عسكرية مستقلة داخل لبنان، وثيقة الارتباط باستراتيجية إيران. من هذا المنظور، تقول المصادر إن أي مطالبة لبنانية بالسيادة تظل منقوصة طالما أن بإمكان "الحزب" التحرك بموازاة الدولة، وتتوافق مصادر أميركية مع وجهة نظر إسرائيل في عدم الانسحاب بناء على وعود كلامية.
وعلى الرغم من وجود مواقع عسكرية إسرائيلية ظاهرة، يرى مسؤولون أميركيون أن الانتهاك الحقيقي للسيادة اللبنانية يتمثل في الوجود المسلح لـ "حزب الله" والنفوذ الإيراني؛ إذ يتيح ذلك لطهران، عبر "الحزب"، ممارسة سيطرة حاسمة على السياسة الأمنية للبنان، مما يرسخ سلطة موازية تعجز الدولة اللبنانية عن مواجهتها أو تختار عدم القيام بذلك.
هذه النقطة تمثل جوهر النقد الأميركي بين ما يراه الإسرائيلي خطأ استراتيجيًا وما يراه اللبناني اختبار نوايا لإسرائيل. رغم ذلك، حاول روبيو تصوير اليوم الأخير كبداية حل، لا مأزق. غير أن مسؤولين دبلوماسيين وعسكريين أميركيين أقروا بأن الأجواء داخل قاعة التفاوض كانت "مشحونة وسلبية".
بالنسبة إلى واشنطن، تمثل هذه المحادثات عملية موازنة دقيقة. إذ تهدف الولايات المتحدة إلى التوسط لإنجاز انتقال مرحلي قابل للتحقق، يرمي إلى خفض وتيرة العنف، وتوسيع نطاق سيطرة الدولة، وتقييد حرية حركة "حزب الله"، مع مراعاة المطالب الأمنية الإسرائيلية والمخاوف المتعلقة بالسيادة اللبنانية في آن واحد. ويُعد حضور القيادة المركزية الأميركية على طاولة المفاوضات، ومراقبتها للأحداث لحظة وقوعها، خطوة مبتكرة ولافتة.
ومع ذلك، حرصت مصادر في الكونغرس على القول لـ "نداء الوطن" إن ظل إيران يبقى حاضرًا بقوة؛ إذ "لا ينبغي السماح لإيران ببسط سيطرتها على المفاوضات"، رغم أن القناة الأميركية - الإيرانية الجديدة تهدف إلى احتواء التصعيد.
مع إسدال الستار على الجولة الخامسة، أشار مصدر دبلوماسي أميركي إلى أن نتائج الجولة الخامسة تتضمن صياغات غامضة بشأن المناطق التجريبية وتسلسل الخطوات. غير أن التحديات الجوهرية المتمثلة في إفلات حزب الله من المساءلة، ومصداقية الجيش اللبناني، وتسلسل عملية الانسحاب، لا تزال من دون حل.
وفي ظل هذا الخلاف حول الجغرافيا وتسلسل الخطوات، الذي زاد تعقيدًا بفعل المطالبة بضمانات أمنية صارمة وضغوط داخلية قوية على الجانبين، اعتبر المسؤولون الأميركيون أن جولة واشنطن هذه قد لا تكون الأخيرة، إلا أنها تشكل تذكيرًا صارخًا بحجم الطريق الطويل الذي لا يزال يتعين على الأطراف، لبنان وإسرائيل والوسيط الأميركي، قطعه.