المصدر: نداء الوطن
الكاتب: سامر زريق
الثلاثاء 21 نيسان 2026 07:05:35
ثمة اهتمام إيراني شديد بالمسألة اللبنانية على الصعيدين السياسي والإعلامي، بشكل يتماثل مع مستقبل نظام الملالي، وبما لا يقاس مع ساحات النفوذ الموازية مثل العراق المرتبط بالأمن القومي لإيران. هذا الاهتمام نجده أقل بالمقارنة بالحقبة السابقة لـ "طوفان الأقصى"، ربما لأن إيران كانت مرتاحة لهيمنتها، بموازاة وجود رجلين ثقات: قاسم سليماني والسيد حسن نصر الله.
غداة اغتيال الأخير، وبينما كان ثمة توجه استسلامي، توالى ظهور 3 مسؤولين إيرانيين: عباس عراقجي، محمد باقر قاليباف الذي استعرض عضلاته في الطيران لإظهار حيثيته، وعلي لاريجاني الذي أصبح الشخصية الثانية في النظام.
هذه الزيارات حملت مؤشرًا واضحًا على الاختلاف بين هؤلاء البراغماتيين الثلاثة ضمن لعبة التيارات داخل النظام، والتي كان يديرها ويضبطها المرشد. لكن تصفية خامنئي فتحت الباب أمام اندلاع الصراع بين التيارات المحافظة داخل بنية النظام لوراثة "بردة" المرشد، وفي القلب منها الحرس الثوري كقوة عسكرية مركزية.
هذا الصراع عبّر عن نفسه قبلًا داخل "حزب الله". فبصمة المرشد على المستوى السياسي المستنسخ عن السلطة في إيران، لم تمنع ظهور فجوة بينه وبين العملاني أخذت بالاتساع بعد اغتياله، وظهر تأثيرها في مواضع عدة، منها البيان الشهير ضد الرؤساء الثلاثة، ومحاولات نعيم قاسم تغيير الهيكل، والصواريخ الستة التي عرفت بها قيادة "الحزب" مثلنا.
خطورة هذا الصراع تكمن في إمكانية انفجاره في لبنان، وتحوله إلى ساحة لتصفية الحساب بين أجنحة نظام الملالي طالما أنه يعرّفه كمساحة اشتباك مع إسرائيل، وضغط على أميركا، تكلفتها الاستراتيجية والسياسية أقل، ولا سيما مع تجذر الوجود الإيراني السابق لقيام "الجمهورية الإسلامية"، حيث تنشّأ "الخمينيون" الأوائل عسكريًا وثوريًا في كنف "منظمة التحرير".
يقول الله تعالى في كتابه الكريم "ومنكم من يُردّ إلى أرذل العمر لكي لا يعلم بعد علم شيئًا". وهو حال نظام الملالي الذي يبدو في شتاء عمره وقد تجاوزته الأحداث والحداثة، في انطباق لـ "الدورة الخلدونية" بنمط أسرع زمنيًا. من سمات الشيخوخة العودة إلى بعض مزايا الفتوّة، وهي في حالة "الحزب" ترتبط بخطف الرهائن، واغتيال قادة العمل المقاوم، فضلًا عن سابقة الانشقاقات عن "حركة أمل" بتكليف شرعي و "حرب الإخوة".
يمكن تلمس نذر انفجار هذا الصراع في العديد من المؤشرات. أبرزها خطاب قاليباف الذي يعد جزءًا من الصراع مع الكتلة المتشددة داخل الحرس الثوري، الرافضة للمسار التفاوضي مع أميركا بمعاييره الراهنة، حيث رمى بورقة "حزب الله" وجرّده من آليات الدفاع بقوله إنه دخل الحرب دفاعًا عن نظام الملالي.
ليردّ الحرس الثوري بتسريب أن أحمد وحيدي هو الوحيد الذي يلتقي المرشد بما يحمله من معاني السيطرة على القرار. زد عليها تهديد الحكومة بمصير رفيق الحريري، ونشر كاريكاتور مهين بحق رئيس الجمهورية. كل ذلك يرفع من درجة مخاطر الانفجار على الساحة اللبنانية في ظل خضوع "الحزب" لهيمنة الحرس الثوري، أكان لإفشال المسار التفاوضي الناشئ بين لبنان وإسرائيل، أو أي تسوية يبرمها قاليباف.
الأمر الذي يفرض على الدولة تبني مقاربات أكثر انسجامًا مع هذه المخاطر، تمزج التحوط الأمني والسياسي بتوظيف العلاقة مع الفاعلين الإقليميين، وخصوصًا السعودية التي تمكنت عبر استراتيجية "إدارة الصراع" مع إيران من احتواء الكثير من مثالبها في لبنان، بدءًا من تكوين السلطة الحالية، وصولًا لوقف إطلاق النار. وإذا كانت المملكة تشكل معبرًا إلزاميًا للدولة نحو واشنطن، فإنها في الوقت ذاته تعد معبرًا مزدوج الاتجاه بين بيروت وطهران لإرساء ضوابط تمنع انفجار صراع آيات الله في لبنان، ولا سيما في ظل تحولها إلى ملاذ لإيران في محنتها الراهنة رغم أنف المتشددين.