المصدر: الانباء الكويتية
الكاتب: داود رمال
الثلاثاء 19 أيار 2026 01:10:15
تتسع الهوة داخل إسرائيل بين المستويين السياسي والعسكري مع دخول المواجهة المفتوحة على الجبهة اللبنانية مرحلة أكثر تعقيدا، في وقت تتزامن فيه الزيادة الكبيرة في العمليات العسكرية مع مسار تفاوضي ترعاه الولايات المتحدة في واشنطن.
وبحسب مصدر ديبلوماسي في بيروت، فإن المشهد الإسرائيلي الداخلي يكشف بوضوح عن صراع بين مقاربتين: الأولى يقودها المستوى السياسي الذي يريد استثمار النار كورقة ضغط لتحسين شروط التفاوض الإقليمي، والثانية يمثلها الجيش الذي بدأ يقتنع أكثر فأكثر بأن الاستنزاف العسكري في لبنان لن ينتج حلا نهائيا مهما توسعت العمليات.
وأشار المصدر لـ «الأنباء» إلى أن «التصعيد الإسرائيلي الأخير، سواء عبر توسيع الغارات نحو البقاع الشرقي أو رفع وتيرة الاستهدافات الجوية، لا يعكس بالضرورة ثقة إسرائيلية بإمكانية الحسم العسكري، بل يعبر عن مأزق متزايد داخل المؤسسة الحاكمة. فالتسريبات الخارجة من المؤسسة العسكرية الإسرائيلية حملت للمرة الأولى بهذا الوضوح إقرارا بأن القوة العسكرية، حتى لو وصلت إلى حد التوغل الواسع أو الاحتلال المباشر لمناطق إضافية، لن تنجح في إنهاء التهديد الأمني بشكل كامل، خصوصا فيما يتعلق بالحرب المسيرة والصواريخ».
وتابع المصدر: «يحاول الجيش الإسرائيلي من خلال هذه الرسائل دفع الحكومة نحو مقاربة سياسية موازية للعمل العسكري، بعدما باتت القيادة العسكرية ترى أن استمرار المواجهة المفتوحة من دون أفق سياسي يتحول إلى استنزاف طويل الأمد يرهق الداخل الإسرائيلي أكثر مما يحقق أهدافا استراتيجية. وتظهر هذه القناعة خصوصا مع تزايد الضربات التي تطال الجنود والمواقع العسكرية الإسرائيلية في المناطق الحدودية، ما يضع القيادة العسكرية تحت ضغط الرأي العام الإسرائيلي الذي بدأ يطرح أسئلة حول جدوى استمرار الحرب من دون نتائج حاسمة».
وكشف المصدر أن «القيادة السياسية الإسرائيلية لا تزال تراهن على عامل الوقت وعلى استخدام الضغط العسكري لتحسين شروط المفاوضات الجارية برعاية أميركية، خصوصا أن تل أبيب تعتبر أن أي تسوية نهائية على الجبهة اللبنانية تبقى مرتبطة بمسار التفاوض الإقليمي الأوسع، ولاسيما ما يتصل بالعلاقة الأميركية - الإيرانية. ومن هنا، فإن استمرار العمليات العسكرية بالنسبة إلى الحكومة الإسرائيلية يشكل رسالة ضغط على الداخل اللبناني من جهة، ومحاولة لرفع مستوى الضغط غير المباشر على طهران من جهة أخرى».
لكن المؤسسة العسكرية، وفق المصدر نفسه، «تبدو أكثر واقعية في تقييمها للوقائع الميدانية. فهي تدرك أن توسيع العمليات قد يحقق مكاسب تكتيكية موضعية، لكنه لا يبدل طبيعة المعادلة القائمة على الاستنزاف المتبادل. كما أن الجيش يدرك أن أي احتلال واسع لمناطق لبنانية سيعيد إسرائيل إلى تجربة أمنية وعسكرية مكلفة يصعب تحمل تبعاتها داخليا وإقليميا، خصوصا في ظل التوترات المتعددة التي تواجهها إسرائيل في أكثر من ساحة».
ورأى المصدر أن «التقدم الذي تحقق في جولات واشنطن الأخيرة، وتمديد الهدنة والدفع نحو جولات تفاوض جديدة، زاد من حساسية الانقسام الإسرائيلي الداخلي، لأن المؤسسة العسكرية ترى أن المسار السياسي، رغم تعثره، يبقى أقل كلفة من الانزلاق إلى حرب مفتوحة بلا سقف زمني أو أهداف قابلة للتحقق. أما المستوى السياسي، فيحاول إبقاء الضغط العسكري قائما لمنع ظهور أي انطباع بأن إسرائيل انتقلت من موقع الهجوم إلى موقع البحث عن مخرج».
وفي تقدير المصدر، فإن «المرحلة المقبلة ستشهد استمرار هذا التناقض داخل إسرائيل بين منطق التفاوض ومنطق التصعيد، لكن من دون قدرة أي طرف على حسم خياره بالكامل. فالحكومة الإسرائيلية لا تستطيع الذهاب إلى تسوية من دون تحقيق مكاسب سياسية وأمنية واضحة، والجيش في المقابل يدرك أن الميدان وحده عاجز عن إنتاج تلك المكاسب. وبين هذين الخيارين، تبدو الجبهة اللبنانية مرشحة لمزيد من التصعيد المضبوط بانتظار ما ستنتجه الاتصالات الإقليمية والدولية الجارية في الكواليس».