انهضوا وقاتلوا!

لا وجود لحدث عالمي، بالنسبة إليّ، يتفوّق على رؤية ثوّار إيران يطيحون حكم آيات الله. عانى المعارضون الإيرانيون الويلات منذ اغتصاب الخمينيين السلطة. كيف لا، وهم يواجهون باللحم الحيّ واحدًا من أشنع الأنظمة الثيوقراطية في التاريخ الحديث؟ نجح الملالي في إجهاض الثورات المتتالية بسفك دماء الشابات والشباب في الساحات والشوارع، باسم المقدّسات والحفاظ على "الثورة الإسلامية". إنّ "الثورة المضادة" المتولّدة من تنامي الحنق الشعبي تطرق أبواب السفّاحين والفاسدين في طهران، وإن أفلحوا في إبقائها مغلقة حتى الآن. فالتحوّلات الثقافية والجيوسياسية لا تسير وفق رغبات أركان نظام قتل عشرات الآلاف مطلع هذا العام وحده من أجل البقاء متربّعًا على العرش.

لم أرَ في حياتي جرأة كتلك التي تتمتّع بها المناضلات الإيرانيات، أمثال نرجس محمدي ورفيقاتها. إنّه لأمر مدهش حقًّا كيف تستطيع فتاة أو امرأة أن تُخضع مخاوفها وأوجاعها ومظلوميّتها، وتتغلّب عليها، لتُشعل شعلة الحرّية وتنير بها درب المضطهدين الساعين إلى التحرّر من نير استعمار داخلي أنهكهم بسياساته العنصرية المقيتة، وبفشله في مراعاة مصالح الإيرانيين والحفاظ على أمنهم وسلامهم وأموالهم. فما أبرز إنجازات قادة طهران منذ استيلاء الإسلاميين على مقاليد الحكم؟ الجواب بسيط: تسخير مقدّرات البلاد للبرامج النووية والصاروخية، وتطوير الطائرات المسيّرة، وحفر الأنفاق والمخازن والمخابئ، وإقامة المنشآت تحت الأرض، ودعم الأذرع في الخارج.

ماذا حلّ بكلّ تلك الاستثمارات الطائلة حين حانت الاستحقاقات الحاسمة؟ وما أحوال الإيرانيين المعيشية حتى قبل إطلاق عملية "المنبوذ الاقتصادي" الأميركية؟ ولماذا يواصل الاقتصاد الإيراني والعملة الوطنية تدهورهما؟ الجواب هنا أيضًا واضح: عندما يحكم مؤدلجون متطرّفون يسعون إلى تصدير "الثورة الإسلامية" ومحاربة "الشياطين" وفرض عقيدتهم وقيمهم ومشاريعهم على الآخرين، تكون النتيجة الانزلاق في دوّامة الأزمات والحروب والنكبات. وقد وصلت إيران إلى حال مزرية تنذر بانتفاضة شعبية تطالب بإسقاط النظام. فلماذا لم تتفجّر هذه الانتفاضة بعد؟ لا أحد مؤهّل لإعطاء الإيرانيين دروسًا في ما يجب عليهم فعله في الوقت الراهن، أو في ما يخدم مستقبلهم ومستقبل أجيالهم، لكن ما يُعلّمنا إيّاه التاريخ هو أنه لا إمكانية لطيّ صفحة نظام الإعدامات إلّا على أيديهم.

دفع الإيرانيون أثمانًا باهظة، وما زالوا، لكنّ تضحياتهم، على جسامتها، لم تتمكّن بعد من تصفية الحساب مع نظام شُيّد ليصمد أمام ثورات عاتية. وللجمهورية الإسلامية ملايين الموالين لها، كثيرون منهم مستعدّون لارتكاب جرائم ضدّ الإنسانية مرّة أخرى والموت في سبيل قضيّتهم ووليّهم الفقيه. صحيح أنّ معارضي النظام ليسوا بحاجة إلى من يرشدهم إلى الطريق السّديد، بيد أنّهم لن يستعيدوا حرّيتهم وكرامتهم إن لم يثوروا مجدّدًا ويحسموا هذا الصراع المكلف حسمًا نهائيًا. أقسم مناضلو إيران أنّ دماء "شهداء الحرّية" لن تذهب هدرًا، فيما تتردّد في مسامعهم أصوات الذين غادروا الحياة ظلمًا تناديهم قائلةً: "انهضوا وقاتلوا!".