إنهيار مبنيين كشفا هشاشة الواقع.. ماذا لو ضرب زلزال طرابلس؟

على وقع انهيار مبنيين في طرابلس خلال أيام قليلة، وسقوط قتلى ومفقودين تحت الركام، تتجدّد الأسئلة الثقيلة حول سلامة المدينة واستعدادها لمواجهة الكوارث. لكن، وفق البروفسور خالد عمر تدمري، فإن ما جرى ليس حادثاً معزولاً، بل إنذاراً صارخاً طال انتظاره.


يرى تدمري، أستاذ العمارة والترميم والتخطيط المدني في الجامعة اللبنانية، أن انهيار مبنى واحد واحتجاز عائلة كاملة تحت أنقاضه استدعى حالة استنفار إنساني ولوجستي استثنائية استمرّت لأكثر من 48 ساعة، شاركت فيها فرق الدفاع المدني من طرابلس ومن الجنوب، إلى جانب جهاز الطوارئ والإغاثة، والصليب الأحمر اللبناني، وعناصر من الجيش اللبناني، وعمّال ورش الطوارئ في البلدية، إضافة إلى مواطنين متطوّعين. ويؤكد أن هذا المشهد التضامني، على أهميته وما يستحقه من تقدير، يكشف في المقابل هشاشة البنية العامة للمدينة وعجزها البنيوي، لافتاً إلى خطورة السؤال الذي يفرض نفسه بمرارة: ماذا لو كان المبنى مأهولاً بالكامل؟ وماذا لو تزامن الانهيار مع هزّة أرضية أو عاصفة قوية، أو مع انهيار عدد من الأبنية دفعة واحدة؟

بحسب المعطيات التي يستند إليها، فإن طرابلس تقف اليوم أمام معضلة عمرانية خطيرة: نحو أربعة آلاف مبنى تحتاج إلى صيانة عاجلة، وأكثر من 600 مبنى تتطلب تدعيماً وترميماً، فيما يزيد عدد الأبنية المعرّضة للانهيار الآجل على مئة مبنى، يفترض إخلاؤها فوراً وتأمين بدائل سكنية لساكنيها.

ويحذّر تدمري من أن أي زلزال مدمّر، شبيه بما ضرب سوريا وتركيا، قد يحوّل المدينة إلى مسرح كارثة شاملة، في ظل غياب الجهوزية المؤسسية والتخطيط الوقائي.

ويعيد تدمري التذكير بأن طرابلس تعيش منذ سنوات طويلة "على ألطاف الله"، وأن هذا الواقع ليس جديداً. فمنذ تفجير المسجدين، مروراً بالهزّات الأرضية المتكرّرة، تبيّن مراراً حجم العجز في الإطفاء والإنقاذ، حيث اضطر المواطنون في أكثر من محطة إلى نقل الضحايا بسياراتهم الخاصة وعلى الدراجات.

ومنذ تلك اللحظات، يقول، جرى رفع الصوت في الإعلام وأمام الحكومات المتعاقبة للمطالبة بإنشاء هيئة ومركز متخصص لإدارة الكوارث وحالات الطوارئ في طرابلس، المدينة التي تُعدّ الأكثر اكتظاظاً على الساحل الشرقي للمتوسط، وتضم أحياءً من الأعلى كثافة سكانية وعمرانية في لبنان، مثل باب التبانة، القبة، ضهر المغر، جبل محسن، وباب الرمل – الحدادين.

 

ويشدّد تدمري على أن طرابلس هي المدينة الوحيدة التي لم تحظَ، بعد اتفاق الطائف، برعاية حقيقية من الدولة ولا بعناية وزارة المهجّرين، ولم تُمحَ عن أحيائها آثار الحروب والمعارك، بل زادتها جولات العنف اللاحقة تهميشاً وتهشيماً.

من هذا المنطلق، يضع تدمري مجموعة مطالب يعتبرها "أبسط حقوق طرابلس على الدولة"، وفي مقدّمها: إنقاذ سكان المباني المتصدّعة وتأمين بديل سكني لائق لهم، هدم الأبنية المهدِّدة للسلامة العامة، اعتماد وحدات سكنية مركّبة وجاهزة كحلّ انتقالي، إعادة تخطيط وإعمار الأحياء المكتظة ذات الأبنية الرديئة، تجديد البنية التحتية وتنظيم المحيط العمراني، استحداث مساحات خضراء، إزالة المخالفات والتعديات على الأملاك العامة، وتشكيل إدارة سكانية ومجتمعية فاعلة للمدينة، إلى جانب إنشاء هيئة ومركز لإدارة الكوارث والطوارئ.


ويختم تدمري بالدعوة إلى عقد مؤتمر عاجل، محلي وربما دولي، مخصص لإنقاذ وإعادة إعمار الأحياء المنكوبة وأحزمة البؤس في طرابلس، وإنشاء صندوق تعاون دولي يتولى تمويل هذه الخطة، مع تحميل الوزارات المعنية مسؤولية التنفيذ الفعلي.
برأيه، هذا ليس ترفاً ولا مشروعاً مؤجّلاً، بل حق أساسي لمواطني طرابلس "الصابرين، المظلومين، المقهورين، والأوفياء للوطن".