باريس تدعم موقف لبنان وخياره… لكن هل تريد إسرائيل التفاوض؟

أنهى وزير الخارجية الفرنسية جان نويل بارو زيارته بيروت أمس، لِيعقد اليوم اجتماعات في إسرائيل. وما بين المحطّتين، أكد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أنّ باريس تمهدّ الطريق لإجراء مناقشات مباشرة بين اللبنانيين والإسرائيليين، فيما يبقى السؤال الأبرز: هل تريد إسرائيل فعلاً التفاوض أو تؤمن به؟ وهو أمر لا يعكسه آداء حكومة نتنياهو المتطرفة، التي عُرفت في السنوات الأخيرة باستهداف مسارات التفاوض والمفاوضين أنفسهم، كما حصل مع اغتيال إسماعيل هنية في تموز العام 2024.

وعلى الرغم من ذلك، يبقى دعم مبادرة الرئيس جوزاف عون خطوة مهمة كمدخل للحل. وفي هذا السياق، يؤكد الحزب التقدمي الاشتراكي مجدداً حاجة لبنان إلى ورقة واضحة تُحدَّد فيها أهداف التفاوض، على أن يستند هذا المسار، بحسب "التقدمي"، إلى اتفاق الهدنة الموقع عام 1949، واتفاق الطائف، والقرارين الدوليين 1701 و1559.

وفي الوقت نفسه، يجدد "التقدمي" التأكيد على ضرورة تمثيل الطائفة الشيعية في الوفد التفاوضي، تفادياً لتكرار تجارب سابقة غاب فيها الإجماع الوطني عن ملفات دقيقة، ما أدى إلى اهتزاز السلم الأهلي.

زيارة بارو 

زيارة وزير الخارجية الفرنسية، التي حملت رسائل سياسية واضحة، أعادت التأكيد على "دعم فرنسا الثابت للبنان في هذه المرحلة، وتأييدها لقرارات الحكومة"، مشيراً الى أن "فرنسا تعمل مع مختلف الأطراف لوقف التصعيد".

الوزير بارو أعرب عن استعداد فرنسا العمل من أجل وضع حد للتصعيد العسكري، انطلاقاً من المبادرة التي أعلنها الرئيس عون والتي وصفها الوزير الفرنسي بـ"الشجاعة" وتلقى دعم المجتمع الدولي، لأنها عبّرت عن إرادة ثابتة في قيام دولة قوية ترفض الانجرار إلى حرب لم تبدأها.

كما ركّز بارو على دور الجيش في أي حلّ للوضع القائم حالياً، وكذلك في المرحلة التي تلي انتهاء ولاية قوات الأمم المتحدة العاملة في جنوب لبنان "اليونيفيل" وانسحابها منه. 

وفي السرايا الحكومية، أكد الوزير الفرنسي أن بلاده "تعمل مع مختلف الأطراف لوقف التصعيد"، مجدداً "تأييد بلاده لقرارات الحكومة". وأشار إلى أن "فرنسا ستزيد من المساعدات الإنسانية في المرحلة المقبلة".

بارو استمع إلى مواقف موحدة نسبياً من الرؤساء الثلاثة، تمحورت حول:

ضرورة وقف إطلاق النار، وتوفير الضمانات اللازمة لنجاحه من قبل الأطراف المعنية.

عون

رئيس الجمهوربة العماد جوزاف عون اعتبر أن المبادرة التفاوضية التي أعلنها "لا تزال قائمة لكن استمرار التصعيد العسكري يعيق انطلاقتها، الأمر الذي يفرض وقفاً للأعمال العدائية لإيجاد المناخات المناسبة للتفاوض، وهو أمر غير متوافر حالياً نتيجة اتساع العمليات الحربية وتدمير القرى والبلدات في الجنوب ووقوع مئات الضحايا والجرحى وأكثر من مليون نازح". 

وأشار إلى أن إطلاق النار متى توقف، يصبح في الإمكان تفعيل آلية التفاوض في أي مكان يتم الاتفاق عليه لأن المهم هو وقف التصعيد.

بري

بدوره جدد الرئيس نبيه بري تأكيده أن "تطبيق الاتفاق الذي أُنجز في تشرين 2024 بوساطة أميركية وفرنسية والتزام إسرائيل به ينهي العدوان ويعيد النازحين، والأساس في ذلك تفعيل آلية عمل الميكانيزم كإطار للمراقبة والتطبيق والتفاوض".

كما زار الوزير الفرنسي البطريرك الماروني الكاردينال مار بشارة بطرس الراعي في الصرح البطريركي في بكركي.

سلام

وفي سياق متصل، حذّر رئيس الحكومة نواف سلام من تصاعد خطاب الكراهية والتخوين والتهديد، معتبرا أنه "يهدد وحدة اللبنانيين ويعرّض حياتهم للخطر"، ومشدّدا على ضرورة التصدي له. وأضاف أن "التلويح بالحرب الأهلية ليس رأيا"، بل مسار خطير يؤسس للفتنة ويُبعد الأنظار عن الأسباب الحقيقية للأزمة.

الجنوب: حق مشروع ومعادلة الصمود

ميدانيا، تستمر الاعتداءات الإسرائيلية على القرى الجنوبية، حيث احتمدت المواجهات المباشرة في بلدتي الخيام والطيبة بشكل خاص. وبينما جدد الجيش الاسرائيلي توجيه انذاراته لسكان جنوب الزهراني، تركزت الغارات الجوية على الطرق والجسور التي تربط جنوب الليطاني بشماله حيث شنت غارة على طريق قعقعية الجسر الترابية. وغارةً على جسر القاسمية الداخلي، كما استهدف محطة كهرباء السلطانية التي تغذي معظم بلدات قضاء بنت جبيل. 

وفي مقابل عمليات وفي مشهد يستعيد حقيقة جوهر الصراع، بدأ يتبلور موقف وطني جامع بحق الجنوبيين الدفاع عن أرضهم ووجودهم وعن حقهم في البقاء بأرضهم وهم أصحاب الأرض، ومن حقهم مواجهة أي اعتداء. 

هذا الحق، الذي تكفله القوانين الدولية، لا يُختصر فقط في البعد العسكري، بل يتجسد أيضاً في صمود الأهالي وتمسكهم بأرضهم، رغم المخاطر والتحديات.

بين الدبلوماسية والواقع الميداني

في المحصلة يبقى التحدي الأساسي في قدرة الدبلوماسية على إحداث خرق فعلي.

فبين مبادرة لبنانية، ودعم فرنسي واضح، واستمرار التصعيد الإسرائيلي، تبدو المعادلة مفتوحة على احتمالات متعددة.

هل تنجح الدبلوماسية في فرض إيقاعها، أم أن الميدان سيبقى هو العامل الحاسم؟

في الانتظار، يواصل لبنان السير على حافة التوازن الدقيق، بين خيار السلام الذي يطرحه، وحقه المشروع في الدفاع عن أرضه.