المصدر: المدن
الكاتب: ندى اندراوس
الجمعة 30 كانون الثاني 2026 01:52:33
توضح باريس، بلا مواربة، واقع الميكانيزم القائم في الجنوب، كاشفةً خللاً بنيوياً عميقاً يُدار تحت عنوان "التنسيق العسكري"، في حين تغيب السياسة، وتتآكل الإرادة، ويتقدّم الاحتلال خطوة إضافية. ففي لحظة لبنانية شديدة الالتباس، حيث تختلط الجبهات بالمسارات الدبلوماسية، ترسم مصادر دبلوماسية فرنسية رفيعة، في دردشة مع صحافيين من مؤسسات عدة، بينها "المدن"، صورة قاتمة للواقع، معتبرةً أن ما يجري اليوم ليس سوى نتيجة "خلط كبير في العديد من الأمور"، في مرحلة غامضة وحسّاسة تتصل بمصير المفاوضات السياسية حول الجنوب اللبناني، وبحدود القدرة على منع انزلاق البلاد نحو تصعيد أوسع لا يبدو أحد مستعداً لتحمّل كلفته.
تؤكد هذه المصادر أن فرنسا، ومنذ البداية، رأت بوضوح أن "عنصراً سياسياً أساسياً ينقص الميكانيزم القائم"، مشددة على أن هذا الميكانيزم لا يمكن أن يقتصر على البعد العسكري أو الاجتماعات التقنية اليومية، مهما كانت وتيرتها، إذ إن معظم الاجتماعات الحالية تُعقد حصراً على المستوى العسكري، وتقوم على مبدأ الاجتماع من أجل البحث في كيفية التقدّم، من دون أي تمثيل مدني أو سياسي، وهو ما تعتبره باريس خللاً بنيوياً يفرغ الآلية من فعاليتها الاستراتيجية.
تلفت المصادر الفرنسية إلى أن الأميركيين أطلقوا مسار المفاوضات خارج إطار الميكانيزم القائم، وذلك بحسب البند 13 من اتفاقية 27 تشرين الثاني 2024، ولا يُبدون حماسة لوجود فرنسا ولا حتى الأمم المتحدة ضمن هذا المسار، رغم أن باريس تقول بوضوح: "إذا أراد الأميركيون أن تحضر فرنسا فنحن مستعدون".
الحدود الجنوبية: إرادة سياسية غائبة واحتلال إضافي
في ما يتصل بالحدود بين لبنان وإسرائيل، تشدد المصادر الدبلوماسية الفرنسية على أن "العديد من الأمور حصلت قبل 7 تشرين الأول 2023"، وأن المسألة في جوهرها "مسألة إرادة سياسية للتوصل إلى حل". وتضيف: "لا شيء يمنع التقدّم من حيث المبدأ، لكن الواقع اليوم يشير إلى احتلال إضافي، ما يعقّد أي مسار تفاوضي". وتلفت إلى وجود توافق لبناني رسمي يعبّر عنه كل من موقف رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون، ورئيس الحكومة نواف سلام، على دعم وجود فرنسا داخل الميكانيزم.
أكثر من ذلك، تحدّد باريس بوضوح أن هناك ملفين منفصلين لكن متداخلين، الأول هو اليونيفيل، والثاني هو مراحل حصر السلاح. وتؤكد أنه طالما ليس هناك دور لليونيفيل شمال الليطاني، فإن الأمر يطرح إشكاليات جدية حول كيفية التعامل مع الخروقات والتحديات خارج نطاق عمل القوة الدولية. لذا أبلغت باريس، بحسب ما كشفت المصادر، السلطات اللبنانية: "يجب أن تكونوا واضحين، لأن الغموض غير بنّاء".
أما هدف مؤتمر دعم الجيش في باريس المرتقب فليس شكلياً، إذ إن "الموافقة على موعد المؤتمر تعني أن الجميع ملتزم، بمن فيهم الولايات المتحدة والمملكة العربية السعودية. إذا لم نعقد المؤتمر، فهذه إشارة سلبية، لكن الأهم ليس الإعلان عن مليارات أو آليات فرنسية، بل ترجمة الدعم عملياً، ما هي حاجات الجيش اليوم؟ ماذا بعد اليونيفيل؟ وكيف ستكون المتابعة؟ لأن ما يُعطى اليوم غير كافٍ".
الاحتواء وهمٌ… وإسرائيل تصعّد
في المقابل، دعت المصادر الفرنسية إلى توجيه السؤال إلى من يتحدثون عن "الاحتواء"، في وقت "ضاعفت إسرائيل ضرباتها ولا يبدو أنها ستقبل بذلك". وتشير إلى أن تل أبيب قد تقترح "هيكل خيارات" على مجلس الوزراء الإسرائيلي، فيما موقف فرنسا واضح: "نحن ندعم الحكومة اللبنانية ونعتقد أن الوقت حان لفرض سيادتها، وحصر السلاح، ومن ثم القرار يعود للبنانيين".
وفي قراءة أوسع، تعرب المصادر عن قلق بالغ، معتبرة أن "الوضع مقلق جداً، واللبنانيين لا يدركون أنهم في حالة حرب". وتحذّر من أن استمرار المراوحة السلبية سيؤدي إلى مزيد من التصعيد، إذ "عندما تُستخدم القوة، تتذرع إسرائيل بما يقوله حزب الله عن إعادة التسليح، فترفض التجاوب".
إيران، حزب الله، ورهان بري
حول الدور الإيراني، وما إذا كانت فرنسا تتواصل مع الجانب الإيراني لتحييد لبنان عن صراعها مع الأميركي والإسرائيلي، تطرح المصادر سؤالاً مباشراً: "هل هناك اهتمام إيراني فعلي بالبحث في مسألة لبنان؟ بغض النظر عن ذلك، إن الرسالة الفرنسية الدائمة للإيرانيين هي تجنيب لبنان".
أما التواصل بين القنوات الفرنسية وحزب الله فهو، بحسب المصادر، "تواصل بحدوده العادية مع حزب الله". فيما أشارت إلى أن "الجميع يراهن على الرئيس نبيه بري". لكن المصادر نفسها تضيف بواقعية: "على بري أن يأخذ في الاعتبار الكثير من الأمور. فهو في وضع صعب جداً، والملف معقّد للغاية".
الدعم العربي والمؤتمر: من دون شروط مسبقة
فيما تكثف فرنسا حراكها الدبلوماسي لحشد التأييد لمؤتمر دعم الجيش، وآخر محطاتها زيارة الموفد الرئاسي الفرنسي جان إيف لودريان إلى الدوحة، كشفت المصادر أن المباحثات مع قطر جيدة جداً، "إذ إن هناك تقارباً في مقاربة الحل وفي دعم لبنان، وأن قطر، كفرنسا، مقتنعة أنه لا يمكن فرض حصر السلاح كشرط للسماح بإعادة الإعمار"، مذكّرة بأن المملكة العربية السعودية بادرت أكثر من مرة إلى دعم لبنان على مستوى العلاقات الثنائية، وأن أي إعلان عن دعم مالي قطري يعني عملياً "ضوءاً أخضر" إقليمياً، من دون إغفال اليوم عامل الصراع السعودي الإماراتي.
وتؤكد باريس، بصفتها عضواً في اللجنة الخماسية، أنها "لا تريد ربط المؤتمر بشرط تنفيذ المرحلة الثانية شمال الليطاني، ولا انتظار حصر السلاح"، بل إن المؤتمر سيُعقد "بغض النظر عمّا يجري على الأرض"، باعتباره مؤشراً إلى الجهوزية الدولية لمواكبة لبنان برؤية مشتركة، خصوصاً لدعم الجيش الذي يمثّل "حاجات واضحة واستراتيجية محددة".
الجيش، الجنوب، وإعادة الإعمار
ذكرت مصادر الدبلوماسية الفرنسية بموقف إسرائيل بعد إعلان الجيش اللبناني إنجاز المرحلة الأولى من خطة حصر السلاح، وكيف "رحّبت بجهود الجيش اللبناني لكنها اعتبرتها غير كافية". لكن المهم أنها "قبلت الإعلان اللبناني، ما يعني أنها ترى خرقاً ما، من دون أن يعني ذلك انتهاء الوضع في الجنوب".
وتشدد باريس على أن وجود الجيش في الجنوب للمرة الأولى منذ أربعين عاماً هو "تحوّل كبير يجب البناء عليه وتعزيزه"، حتى لو لم تصبح المنطقة خالية بالكامل من السلاح أو المخابئ التي قد تُكتشف بعد سنين من الآن.
وفي ملف إعادة الإعمار، ترفض باريس منطق "لا إعمار قبل نزع السلاح"، وتكشف عن اقتراح سابق بإعادة إعمار ثلاث قرى كإشارة عملية لتلبية حاجات الناس، معتبرة أن على الحكومة أن تبدأ فوراً بهذه الخطوة.
1701، الأمم المتحدة، والقرار اللبناني
تشير المصادر إلى أن فرنسا تفكّر في "عدد من السيناريوهات قبل الصيف"، لكن الأساس هو وجود اتفاق واضح بين السلطات اللبنانية والأمم المتحدة، في ظل استمرار القرار 1701. وتقول بوضوح: "على اللبنانيين أن يحسموا أمرهم، وعلى الحكومة أن تتخذ قرارها". وتؤكد باريس دعمها لكل الجهود الهادفة إلى حل، معتبرة أن "الوقت حان لعدم القبول بوجود مجموعات مسلحة خارج الشرعية"، لكن مع التحذير من أن الذهاب إلى القوة وجرّ البلاد إلى مواجهات داخلية "مجازفة خطيرة". فـ"من السهل القول بسحب السلاح بالقوة، لكن ليس سهلاً تحمّل النتائج والتداعيات"، ومع ذلك "يجب التقدّم، لأن عدم التقدّم أخطر".
لودريان: النفس الطويل، والخلاف مع واشنطن
على خط الحراك الفرنسي أيضاً، كشفت المصادر أن الموفد الاقتصادي الفرنسي سيزور لبنان خلال عشرة أيام، مذكّرة بأن عمل جان إيف لودريان وفرنسا تجاه لبنان هو "مسار طويل ونَفَس طويل"، سمح بإبقاء الملف اللبناني على طاولة الأولويات الدولية. وشددت على أنه "لا يجب التقليل من قيمة ما فعله لودريان للبنان".
أما عن التوترات الفرنسية الأميركية، فتؤكد باريس أن العلاقات "ليست سهلة"، لأن فرنسا "تقول ما تفكّر به"، انسجاماً مع تقليدها الديغولي القائم على الاستقلالية: "أميركا حليفة، لكن رأينا مستقل وحر، ودورنا التاريخي هو الوساطة بين الأضداد". وهذا التمايز ينعكس على الملف اللبناني، حيث ترى باريس أن "على المجتمع الدولي أن يكون موحّداً في مقاربة الواقع اللبناني".
الميكانيزم: الحاجة إلى التطوير
تختم المصادر الدردشة الطويلة والبعيدة من الأضواء بالتأكيد أن اتفاق وقف الأعمال العدائية ببنوده الـ 13 "عام جداً"، ما يفتح الباب أمام الاجتهاد، خصوصاً عندما يكون طرف أقوى من الآخر، "وإسرائيل هي التي تفرض قواعد اللعبة". لذلك، تطالب باريس بآليات تفعيل حقيقية، كيف يُعالج الميكانيزم الخروقات الإسرائيلية؟ ما دوره شمال الليطاني؟ وكيف تساهم اليونيفيل في إطار لا يتجاوز صلاحياتها؟ وكيف يترجم الانتقال إلى التفاوض، وفق ما نص عليه البند 13 من الاتفاق؟
خلاصة الموقف الفرنسي واضحة، البقاء إلى جانب لبنان، دعم الجيش، الدفع نحو حل سياسي، ورفض الانزلاق إلى خيارات قصوى قد تطيح بالاستقرار. لكنها في الوقت نفسه رسالة فرنسا حاسمة، السيادة قرار لبناني، وتأجيل الحسم لم يعد خياراً.