المصدر: النهار
الكاتب: إسراء حسن
الأحد 29 آذار 2026 13:06:58
في وقت تتسارع فيه صناعة الموسيقى نحو إعادة تدوير الذاكرة الصوتية، تعود السيدة فيروز إلى الواجهة العالمية، ليس عبر عمل جديد، بل من خلال صوتها الذي يُعاد تشكيله في أعمال كبار نجوم الغرب كخامة صوتية عابرة للحدود. وخلف هذا الحضور اللافت، تبرز جدلية أساسية حول ما إذا كان هذا التوجه يمثل إحياءً للتراث العربي ووصولاً به إلى العالمية، أم أنه استثمار تجاري بحت يتم دون ضوابط واضحة لحقوق الملكية أو مراعاة للخصوصية الثقافية؟
وقد تجلّى أحدث فصول هذه الظاهرة مع الفنان العالمي كانييه ويست الذي ضمّن ألبومه الأخير مقطوعة استلهمت عيّنة صوتيّة من أغنية "فايق عليّي" (1963)، وهي الأغنية التي ولدت في الأصل ضمن مسرحية "الليل والقنديل" للأخوين رحباني.
في نسخة ويست، جرى تفكيك صوت فيروز وتحويله إلى خلفية صوتية ناعمة، أقرب إلى التأثيرات التجريبية التي ميزت أعماله السابقة، وهو ما يطرح تساؤلاً يتجاوز البعد الجمالي ليصل إلى الشق القانوني؛ فهل حصل ويست على إذن رسمي لاستخدام هذا الصوت الذي يُعد جزءاً من إرث موسيقي محفوظ؟ أم أن الأمر يندرج تحت تعقيدات "السامبلينغ" العالمي حيث تُباع وتشترى الحقوق عبر شركات الإنتاج الكبرى بعيداً عن أصحاب الحقوق الأصليين.
هذا المشهد تكرر بصيغة مشابهة مع المغني "دريك" الذي كشف العام الماضي عن مقطع يعيد فيه توظيف أغنية "وحدن" (1979)، تلك الملحمة التي صاغ كلماتها الشاعر طلال حيدر ولحّنها الفنان الراحل زياد الرحباني. وفي نسخة دريك، تحوّل الصوت الفيروزي إلى مساحة حديثة قائمة على إيقاعات "الهيب هوب" المتقطعة، ما يضعنا مجدداً أمام التساؤل حول حدود إعادة التعريف، فهل نحن أمام "تحية موسيقية" لرمز عربي، أم أمام استخدام لرمز صوتي ضمن سوق عالمي لا يعترف دائماً بحساسية الرموز الثقافية في وجدان شعوبها؟
الجدل سبق أن بلغ ذروته حين تحول الفن إلى نزاع قضائي، كما حدث مع المغنية مادونا التي استخدمت عام 1992 ترنيمة "اليوم عُلّق على خشبة" في أغنية "Erotica". آنذاك، لم يمر الأمر مرور الكرام، حيث رفعت فيروز دعوى قضائية في نيويورك انتهت بتغريم مادونا مبلغاً ضخماً، لتكون هذه الحادثة بمثابة صرخة قانونية تؤكد أن صوت فيروز ليس متاحاً بلا قيود، وأن الحقوق محفوظة ويمكن الدفاع عنها بصرامة. مادونا أعادت الكرّة وأعادت استخدام الترنيمة في عروضها الموسيقية ضمن طقوس وُصفت بـ"الشيطانية"، أمر جدد الغضب على الفنانة الأميركية.
السيدة فيروز ليست مجرد صوت يُعاد توظيفه، بل هي ذاكرة جماعية تختزن وجداناً عربياً كاملاً، وتتجاوز أعمالها كونها مجرد أغنيات لتصبح جزءاً من هوية ثقافية وروحية لا تقبل القسمة على مجرد "تراك" موسيقي عابر. ولهذا، فإن السؤال الأهم اليوم لا يقتصر على هوية من استخدم صوت فيروز، بل يمتد ليبحث في كيفية الاستخدام، وبأي وعي لمكانة هذا الصوت الذي لا يُستعار بسهولة.