بدران إلى رئاسة الجامعة اللبنانية مجدداً..والعقدة في مجلسها

لا أحد من المسؤولين يبحث في ملف إعادة تعيين رئيس الجامعة اللبنانية بسام بدران من منطلقات قانونية. كل المطالعات والمحاججات القانونية، التي تصدر يميناً وشمالاً، لا تغيّر في مسار إعادة تعيينه سياسياً. بات شبه محسوم إعادة تعيين بدران في الجلسة المقبلة للحكومة. لكن العبرة تبقى رهن التوافق على تعيين مجلس الجامعة (عمداء الكليات).

كرامي تكتفي بتسجيل موقف

حتى الآن، لم تجب الحكومة على المساءلة النيابية التي تقدّم بها ثمانية نواب حول عدم قانونية إعادة ترشيح بدران نفسه. أما وزيرة التربية ريما كرامي، فاكتفت بإبداء موقفها بأنها شخصياً ضد إعادة التعيين، لأنها تعتبره غير قانوني. وعادت ورفضت رفع لائحة المرشحين التي رفعها بدران نفسه، إلى مجلس الوزراء، وتطالب بالاطلاع على كل لائحة المرشحين الـ 13 الذين قدموا طلبات ترشيحهم إلى رئاسة الجامعة. لكنها أكدت لمن راجعها أنها ستكتفي بإبداء موقف في جلسة مجلس الوزراء وإعلان تحفظها على إعادة التعيين، في حال أصر رئيسا الجمهورية ومجلس الوزراء على إعادة تعيين بدران، كما قالت لـِ "المدن" مصادر بعض الذين راجعوها بشأن التعيين.

مجلس الجامعة ودور المسيحيين

إعادة تعيين بدران في الجلسة المقبلة لمجلس الوزراء شبه محسوم. والأمور في هذا الملف لا تُبحث في مدى قانونية إعادة التعيين من عدمها، بل في التوافق السياسي الذي يحصل كي يسلك الملف في مجلس الوزراء. وبحسب مصادر متعددة، عقدة إعادة تعيين بدران سياسية؛ أي في مدى تأمين توافق مسيحي على هذه الخطوة. فالأطراف المسيحية تربط مصير إعادة تعيين بدران، أو أي مرشح غيره، بتعيين مجلس الجامعة (عمداء الكليات). ورغم أن البعض يلمّح إلى أن ثمة توافقاً سياسياً حصل على تعيين مجلس الجامعة على قاعدة منح المسيحيين عشرة عمداء من أصل 19 عميداً، إلا أن البعض الآخر يعتبر أن لا توافق جدياً على هذا الملف إلى حد الساعة. قد يحصل المسيحيون على وعد بإنجاز ملف مجلس الجامعة في الجلسات المقبلة للحكومة، لكن من غير المضمون موافقة الأطراف المسيحية على تعيين رئيس للجامعة قبل التأكد من مصير مجلس الجامعة.

المسيحيون يعتبرون أن دورهم الوحيد لتأمين "الشراكة الوطنية" في الجامعة اللبنانية هو في مجلس الجامعة. غير ذلك، لا دور مسيحياً في الجامعة. وعليه، وقبل تأمين توافق جدي على تعيين مجلس الجامعة، المعطّل منذ نحو ثماني سنوات، يصعب تسويق فكرة إعادة تعيين بدران أو أي رئيس غيره لدى كامل الطيف المسيحي.

صحيح أن البعض يشيع أن هناك توافقاً مع المسلمين على تحديد الحصة المسيحية بعشرة عمداء، إلا أن هذا الأمر ما زال في إطار الوعود والتباحث. فمنح المسيحيين عشرة عمداء والحفاظ على حصة السنّة بخمسة عمداء يعني تخلي الشيعة عن منصب عميد لصالح الدروز، وتصبح حصة الشيعة ثلاثة عمداء بعد التخلي عن عمادة كلية الطب. لذا تستبعد المصادر ليس حصول توافق، بل حتى مجرد قطع وعد للمسيحيين بإمكانية الإفراج عن ملف تعيين مجلس الجامعة على قاعدة تخلي الشيعة عن العميد الرابع.

 

التفرغ والبازار السياسي

هذه العقدة السياسية-الطائفية هي التي تعرقل ملف تعيين رئيس الجامعة في الوقت الحالي. بمعنى آخر، لا أحد يبحث في القانون وكيفية تطبيقه، ولا في صلاحيات وزيرة التربية بترشيح خمسة أسماء لرفعها إلى مجلس الوزراء، ولا في عدم جواز ترشيح بدران نفسه مرة ثانية وإصراره على حصرية صلاحية رئاسة الجامعة في رفع الأسماء.

الملف الآخر الذي يؤثر على تعيين رئيس الجامعة، لكن ليس بشكل مباشر، هو ملف التفرغ. وهنا أيضاً العقدة المسيحية تلعب دورها. فثمة إصرار مسيحي على رفع نسبة المسيحيين لتأمين مبدأ المناصفة، بعدما تحوّل الملف إلى بازار سياسي بعيد كل البعد عن الهم الأكاديمي الذي يفيد الجامعة. لكن لا إمكانية لتأمين هذا التوازن بعدما جرى نفخ الملف إلى نحو 1700 أستاذ متعاقد. وبات يتعذّر تأمين التوازن إلا من خلال استقدام المزيد من المسيحيين إلى الجامعة أو التخلي عن مسلمين.

عندما جرى وضع لائحة الأسماء المراد تفريغهم في الجامعة، لم يُراعَ ملف التفرغ المبادئ الأكاديمية. بمعنى أن آلية تركيب الملف لم تأخذ حاجة الكليات لمتفرغين، ولم يتم إشراك مجالس الأقسام في الكليات لمعرفة الحاجة ودراسة الملفات الشخصية لكل أستاذ، ولم تُعرض الأسماء على مجالس الفروع ثم الوحدات، بل جرى رفع أسماء جميع المتعاقدين دفعة واحدة. وعندما أتى الدور إلى مرحلة توزيع الأسماء على أربع دفعات، بدأت الخلافات السياسية والطائفية على من يكون في الدفعة الأولى والثانية والثالثة والرابعة. وهنا تقول المصادر إن وزيرة التربية وضعت أكثر من صيغة، لكن لم تراعِ مبدأ التوازن الطائفي. وهذا الأمر منطقي، لأن نسب توزّع الأساتذة على الطوائف الثلاثة الأساسية قامت على مبدأ المثالثة.

 

توازن مستحيل

ثمة محاولات لإعادة ترتيب أسماء الدفعة الأولى ورفع نسبة المسيحيين من نحو 33 بالمئة إلى نحو 42 بالمئة. وهناك اقتراحات برفع عدد الدفعة الأولى إلى 600 متعاقد. لكن المشكلة الأساسية ستبقى قائمة، وهي أن الدفعات اللاحقة لن تكون متوازنة إلا إذا جرى إدخال مسيحيين حصراً إلى الجامعة.

في السابق، رفض المسلمون نقل أسماء أساتذة إلى الدفعة الثانية واستبدالها بمسيحيين لتأمين مبدأ التوازن الطائفي. وجرى اقتراح إضافة نحو خمسين مسيحياً على الدفعة الأولى. لكن المشكلة المسيحية تكون في الدفعات الثانية والثالثة والرابعة، حيث تنخفض النسبة إلى ما دون العشرين بالمئة. وتسويق الفكرة هذه أتى على قاعدة إدخال المزيد من المسيحيين في السنوات المقبلة إلى الجامعة. لكن هذا الأمر بمثابة "شراء سمك بالبحر"، لأن لا ضمانة بعدم استمرار وتيرة التعاقد السابقة.

يراهن المسيحيون على تعيين مجلس الجامعة لاستعادة دورهم في الجامعة. وهذا الملف متوقف منذ ثماني سنوات، وما زالت الجامعة بلا مجلس عمداء أصيل، ومن ضمنها خمس سنوات بولاية رئيس الجامعة الحالي بسام بدران. ودخلت الجامعة إلى البازار السياسي والطائفي بشكل مفضوح، حوّلها من صرح أكاديمي إلى مؤسسة للتوظيف مثل باقي إدارات الدولة. وكل الحلول التي يتم اقتراحها في الكواليس لملف التفرغ تذهب في هذا الاتجاه.