بعد أرقام 2025 القياسية... هذا ما ينتظر الفضة في عام 2026

أصبح معدن الفضة عنصراً لا غنى عنه في مجموعة واسعة من الصناعات الحديثة، لعل أهمها الطاقة الشمسية، والمركبات الكهربائية، والإلكترونيات، والبنية التحتية للكهرباء، ومراكز البيانات، ويعود ذلك لكون موصليتها الكهربائية الاستثنائية وموثوقيتها العالية تجعل من الصعب استبدالها دون التضحية بالأداء. ومع تحول الاقتصاد العالمي نحو إزالة الكربون والرقمنة والذكاء الاصطناعي، تستوعب هذه القطاعات كمياتٍ متزايدة من الفضة.

ورغم أن الفضة أرخص بكثير من الذهب، إلا أن شراء وبيع هذا المعدن النفيس لا يزال مربحاً، وقد شهدت العقود الأخيرة ارتفاعاً كبيراً في سعر هذا المعدن، فكيف كان المسار التصاعدي لأسعاره على مدى سنوات، وهل سيحقق المزيد من الارتفاع في 2026؟

الصعود عبر التاريخ

لطالما اعتبرت الفضة، كالذهب، مخزناً موثوقاً للثروة والقيمة على مر القرون. وقد استُخدم هذا المعدن كوسيلة للتبادل في العديد من المجتمعات، ولا يزال يتمتع بنفس السمعة من حيث الموثوقية حتى يومنا هذا.

بالعودة إلى منتصف سبعينيات القرن الماضي، كانت قيمة الفضة أقل من 10 دولارات للأونصة، إلاّ أن سعر المعدن الأبيض بدأ بالارتفاع في أواخر السبعينيات، وبحلول عام 1980 تجاوز 36 دولاراً للأونصة. وشهد السوق انخفاضاً في الأسعار بعد هذا الارتفاع الكبير، وعادت الفضة للتداول دون مستوى 10 دولارات للأونصة بحلول أواخر الثمانينيات. من ثم حافظت الفضة على نطاق تداول دون 10 دولارات لسنوات لاحقة، ولم تتجاوز الأسعار 10 دولارات للأونصة حتى عام 2006.

 عام 2008، تضاعف سعر الفضة تقريباً ليصل إلى حوالي 20 دولاراً للأونصة، ويعود ذلك إلى الأزمة المالية العالمية في عاميّ 2008 و2009 التي كادت أن تدمر النظام المصرفي العالمي. بعدها انخفضت أسعار الفضة مجدداً بشكلٍ حاد إلى حوالي مستوى 10 دولارات للأونصة. وشهد هذا الانخفاض إقبالاً كثيفاً على شراء الفضة، ما أدى إلى ارتفاع تاريخي في سعرها وصل إلى ما يقارب 50 دولاراً للأونصة في عام 2011.

إلاّ أن سوق الفضة لم يحافظ على تداوله قرب مستوى 50 دولاراً، واستمر المعدن الأبيض في الانخفاض على مدى بضع سنوات حتى استقر في عام 2016 عند مستوى أقل من 14 دولاراً للأونصة.

ارتفع سعر الفضة في السنوات اللاحقة قليلاً، غير أن عام 2025 شهد أحداثاً بارزة في أداء المعدن الأبيض، إذ إن سجلت أسعاره أرقام قياسية لامست أعلى مستوى لها على الإطلاق عند 83.62 دولاراً.

توقعات المعدن الأبيض عام 2026

ساهمت عوامل عدة في دفع أسعار الفضة نحو الارتفاع في عام 2025، منها ضعف الدولار، وزيادة الطلب الاستثماري، ونقص المعروض. لكن المستثمرين يتطلعون الآن إلى العام الجديد ويتساءلون عن أداء سعر الفضة فيه.

ستكون قوة الدولار الأميركي عاملاً رئيساً في تحديد سعر الفضة في عام 2026. وقد انخفض مؤشر الدولار بأكثر من 8 في المئة عام 2025، وشهدت السياسة التجارية اضطرابات مع بداية ولاية الرئيس دونالد ترامب الثانية، حيث فُرضت تعريفات جمركية في مختلف أنحاء العالم بدرجات متفاوتة. وبالتزامن مع التوجه التدريجي نحو خفض أسعار الفائدة من قبل الاحتياطي الفيدرالي، واستمرار تراجع استخدام الدولار عالمياً، فمن المتوقع أن يستمر هذا الوضع في عام 2026، وهذا ما سيرفع سعر الفضة خلال العام نفسه.

كما نتوقع استمرار ارتفاع الطلب الصناعي على الفضة كون النمو الهائل لقطاع الذكاء الاصطناعي سيشكل مصدراً رئيساً جديداً للطلب، إضافةً إلى قطاع الطاقة النظيفة المتنامي بالفعل. ولم يكفِ العرض العام الماضي لتلبية هذا الطلب، بل سُجّلت حالات نقص حتى في أسواق المعادن النفيسة الرئيسة مثل لندن، ما أدى إلى ارتفاعٍ حاد في أسعار تأجير الفضة.

وتتباين توقعات أسعار الفضة في عام 2026 بشكلٍ كبير، إذ يتوقع "بنك أوف أميركا" أن يبلغ متوسط ​​سعر الفضة حوالي 75 دولاراً في عام 2026 أي بحدود السعر الحالي، ويرى الكاتب والمستثمر الأميركي الشهير روبرت كيوساكي أن السعر قد يتجاوز هذا السعر بكثير، فيما أشار محللون في قناة "سي إن بي سي" إلى إمكانية الوصول إلى 100 دولار.

ومع إعلان الصين تشديد سيطرتها على سوق الفضة العالمي مطلع العام المقبل، عبر السماح بتصدير الفضة للشركات الكبرى المعتمدة من الدولة التي تستوفي معايير إنتاجية ومالية صارمة وحسب، فمن المتوقع أن تحدث صدمة في المعروض العالمي خصوصاً وأن الصين تسيطر على نحو 60 إلى 70 في المئة من إمدادات الفضة المكررة عالمياً.

طلب آخذ في التزايد

تظهر بيانات مجموعة بورصة لندن أن الطلب الصناعي على الفضة ارتفع إلى 689.1 مليون أونصة في عام 2024، مقارنةً بـ 644 مليون أونصة في العام الذي سبقه، وبلغ استهلاك الطاقة الشمسية وحدها 243.7 مليون أونصة في عام 2024، مقارنةً بـ 191.8 مليون أونصة في 2023، و94.4 مليون أونصة في عام 2020. ويمثل هذا الأمر زيادة بنسبة 158 في المئة في استخدام الفضة في الألواح الشمسية خلال أربع سنوات، ما يبرز مدى سرعة تأثير نشر الطاقة النظيفة على سوق الفضة.

وقد أفادت وكالة "رويترز" سابقاً في أحد تقاريرها بأن الطاقة الشمسية وحدها قادرة على رفع الطلب على الفضة بنحو 150 مليون أونصة سنوياً بحلول عام 2030، وهذا يمثل زيادة بنسبة 13 في المئة على إجمالي الطلب الفعلي على الفضة البالغ 1.169 مليار أونصة المسجل في عام 2024. وحتى في حال أدت الأسعار المرتفعة إلى الحد من الاستخدامات غير الأساسية مثل صناعة المجوهرات، فإن الحجم الهائل للطلب الصناعي يشير إلى أن السوق سيواجه صعوبة في مواكبة هذا النمو.

وعلى عكس العديد من السلع، يصعب زيادة إمدادات الفضة استجابةً لارتفاع الأسعار، إذ أن إنتاج الفضة يعتمد بشكلٍ كبير على اقتصاديات ودورات الاستثمار للمعادن الأخرى، وليس على أساسيات الفضة نفسها.

التكنولوجيا الجديدة وأسعار الفضة

تشير الأدلة إلى أن ترشيد الاستهلاك واستبدال المعادن قد يبطئان وتيرة نمو الطلب بشكلٍ طفيف، لكن من غير المرجح أن يؤديا إلى انخفاض أسعار الفضة في المستقبل القريب، حيث يستمر الطلب الهيكلي من الطاقة الشمسية والكهرباء والمركبات الكهربائية والبنية التحتية للبيانات في الارتفاع، بينما يبقى العرض محدوداً بسبب طول فترات تطوير المناجم وتوقعات انخفاض الإنتاج.

وحتى لو استفاد عرض الفضة في نهاية المطاف من زيادة إنتاج النحاس والذهب، فإن هذه المكاسب ستستغرق وقتاً لتتحقق. حتى ذلك الحين، من المرجح أن يبقي مزيج الطلب الصناعي القوي، وخيارات الاستبدال المحدودة، ونقص العرض الهيكلي، أسعار الفضة مرتفعة، ما يؤكد المخاوف التي أثارها الملياردير الأميركي إيلون ماسك مؤخراً بشأن ارتفاع تكاليف المدخلات في قطاعيّ الطاقة النظيفة والتكنولوجيا.