بعد الاستهداف في عين سعادة... هل تستطيع البلديات التحقق من هويات المستأجرين؟

في ظلّ التصعيد الأمني المتسارع في لبنان، تعود مسألة حماية المدنيين إلى الواجهة، لا سيّما مع اتّساع دائرة الاستهداف لتطال الأبنية السكنية. وقد شكّلت حادثة عين سعادة التي أسفرت عن سقوط ثلاثة شهداء، بينهم مسؤول "القوات اللبنانية" في منطقة يحشوش بيار معوّض وزوجته، إضافة إلى ثلاثة جرحى، مؤشّراً خطيراً لتراجع هامش الأمان في مختلف المناطق، ما أعاد طرح تساؤلات ملحّة عن إجراءات التدقيق في هويات المستأجرين، ودور البلديات وحدود قدرتها الفعلية.

في الفنار التي تضمّ نحو 1200 نازح في المنازل، إضافة إلى قرابة 300 في مركز الإيواء، يوضح رئيس البلدية ميشال سلامة لـ"النهار" أنّ البلدية "تتخذ الإجراءات على قدر استطاعتها"، لافتاً إلى أنّ "من الإيجابي اليوم أنّ كلّ ساكن بات يؤدي دور الشرطي، ويبلغنا فوراً عند وصول أشخاص جدد أو ملاحظة سيارات مشبوهة".

ويضيف: "لدينا ستّ سيارات للشرطة تقوم بدوريات في المنطقة بعد ازدياد الشكاوى. نكشف على الشقق، ونجمع الهويات، ونسأل النازحين عن أعمالهم، ونرسل لوائح بالأسماء إلى الأجهزة الأمنية، ولكن غالباً لا نتلقى أي ردّ، وبالتالي لا يمكننا ضبط الوضع بالكامل أو معرفة ما إذا كان أحدهم مشبوهاً".

أما في ما يخصّ الإيجارات، فيشير إلى أنّ "التأجير يتمّ من دون أوراق رسمية أو عقود إيجار"، لافتاً إلى الإيجارات القصيرة عبر Airbnb التي طُلب توقيفها في الفنار، "لأنها تجعل الأمر غير مضبوط".

ويوضح أن "هناك إجراءات لا تستطيع البلدية القيام بها، ما اضطررنا إلى الاستعانة بقوى الأمن الداخلي في حالات اشتكى منها الجيران بعدما شاهدوا سيارات بأرقام مزوّرة، إذ لا يمكننا دخول الشقق، فيما تستطيع القوى الأمنية ذلك بإشارة من المدعي العام".

ويختم سلامة مطالباً الأجهزة الأمنية "بمواكبة البلديات أكثر ومساعدتها في الإجراءات، لا سيّما الجيش اللبناني، إذ إن الحاجة إليه باتت ملحة أكثر من أي وقت".

أما في بشتفين، حيث يبلغ عدد النازحين نحو 352، فيما يُقدّر عددهم في قضاء الشوف بنحو 50 ألفاً، فيوضح رئيس البلدية مكرم فياض عبر "النهار" أنّ البلديات تعمل ضمن إمكاناتها على جمع بيانات الوافدين الجدد والتواصل مع القوى الأمنية عند الاشتباه، إلا أنّه يشدّد على استحالة ضبط الوضع بالكامل، معتبراً أنّ تحميل البلديات مسؤولية أمنية شاملة يفوق قدرتها.

ويؤكد أنّ البلديات لا تستطيع رفض استقبال النازحين أو إقفال الأبواب بوجههم، لكنها تحاول توخي الحذر قدر الإمكان، مشيرا إلى أنّ الأسماء تُرسل إلى الأجهزة الأمنية بعد انتقال المستأجرين، وغالباً ما يتأخر الرد، إن وصل، من دون تسجيل حالات استدعت طرد أي مستأجر حتى الآن.

إلى البترون، جيث يؤكد نائب رئيس البلدية سايد فياض القيام بمسح شامل للشقق التي تؤوي نازحين، وجمع هويات القاطنين وإرسالها إلى الأجهزة الأمنية. لكنه يطرح إشكالية جوهرية: "كيف يمكن البلدية أن تحدد ما إذا كان شخص ما مشبوهاً أو مطلوباً؟ المهمة صعبة ومعقدة وتتجاوز قدرات البلديات".

ويلفت إلى أنّ الشرطة البلدية تعمل على مدار الساعة، إلا أنّ ذلك لا يكفي في ظلّ حركة الدخول والخروج المستمرة، "إذ لا أحد يعلم من يأتي ومن يذهب، خصوصا ليلاً"، مشدداً على أنّ ضبط هذا الملف يتطلب تعاوناً بين البلديات والأجهزة الأمنية والمالكين.

مجمل هذه المعطيات يكشف واقعاً واضحاً: البلديات تبذل ما في وسعها، لكنها عاجزة عن التدقيق الأمني الفعلي أو اتخاذ إجراءات حاسمة. ومع استمرار التصعيد وتهديد إسرائيل باستهداف البنى التحتية اللبنانية "ما لم تكبح الدولة جماح حزب الله"، تتزايد المخاطر وتتضاعف الأعباء على السلطات المحلية.

والحال أن الأمن الوقائي لا يمكن أن يُترك لجهود بلدية محدودة، بل يتطلّب خطة مركزية وتنسيقاً فعلياً بين الأجهزة المعنية، لا سيّما مع تزايد الشكاوى من غياب التعزيزات الأمنية الكافية، ومن عدم تلقّي البلديات أي ردود على اللوائح التي ترسلها بأسماء المستأجرين. فبين جمع البيانات وانتظار الإجابات، تبقى فجوات كبيرة من دون معالجة: من يتولّى التدقيق في الهويات، وكشف الوثائق المزوّرة، ومتابعة الشبهات على الأرض؟ من يحمي الناس وممتلكاتهم؟ ومن يسهر على أمنهم وأمانهم؟