المصدر: نداء الوطن
الكاتب: نبيل يوسف
الخميس 22 كانون الثاني 2026 07:45:00
استفاق لبنان صباح 10 نيسان 1973 على خبر هز العالم العربي: عملية إسرائيلية فجرًا في شارع فردان في قلب بيروت أسفرت عن مقتل 3 قادة فلسطينيين: أبو يوسف النجار وكمال ناصر وكمال عدوان.
وصل الغليان في البلد إلى أعلى درجاته. وأصبح في قناعة الجميع أن الحرب ستندلع خلال ساعات.
الفلسطينيون الذين لم يستطيعوا حماية قادتهم الذين قتلتهم إسرائيل من دون أن يجرح جندي من جنودها، ولتبرير فشلهم صبوا غضبهم على الجيش اللبناني وانتشر مسلحوهم في كل شارع وزاوية استطاعوا الوصول إليها.
في المقابل، استنفر حزب "الكتائب اللبنانية" رجاله للدفاع عن الشرعية والمناطق التي يقيم فيه أنصاره: كان القرار واضحًا لن يدخلوا إلى شوارعنا إلا على جثثنا.
وفيما كان أنصار الثورة الفلسطينية من أحزاب وشخصيات لبنانية يكثرون من مزايداتهم محمّلين الجيش اللبناني مسؤولية ما جرى في فردان، مطالبين بإقالة قائد الجيش العماد اسكندر غانم، أعلنت الأحزاب والقيادات اليمينية دعمها المطلق للشرعية والجيش، رافضة أي إقالة لقائد الجيش قبل إجراء تحقيق تحدد فيه المسؤوليات.
كان موقف الرئيس كميل شمعون والشيخ بيار الجميل الأكثر وضوحًا في رفض تحميل قائد الجيش أي مسؤولية، فقد اعتبر الشيخ بيار الجميل أنه لا يجوز فرض وجهة نظرنا على العسكريين في هكذا ظروف، وهم يعرفون ما تحتاج إليه الحرب. ومن ثم إن كان يجب إقالة أي مسؤول، فمن الطبيعي بداية أن يتم فتح تحقيق جدي في ما حصل وتحديد المسؤوليات، خاصة لناحية عدم تعاون المنظمات الفلسطينية مع دوريات الجيش وقوى الأمن، عندما تكون في مهمات لحماية المخيمات والمسؤولين الفلسطينيين، فلا يجوز تغطية تقصير المنظمات الفلسطينية بتقديم أي كبش فداء.
أضاف الجميل أنه لو كان مكان العماد غانم لكان تصرف بالطريقة نفسها التي تصرف بها. ثم أنه لا يمكن أن نقبل بأن ينتحر جيشنا بينما تستمر بقية الجيوش العربية في حالة وقف إطلاق النار. وكما عارضنا محاكمة الضباط السابقين، نعارض المزايدة على الحاليين.
في هذه الأجواء الحالكة السواد تقرر موعد جنازة القادة الفلسطينيين نهار 12 نيسان 1973 في بيروت.
ماذا يخبر الوزير كريم بقرادوني عن نهار التشييع؟
يقول بقرادوني: "على أثر ما حدث في 10 نيسان 1973، خيّم جوّ من الغضب بسبب اغتيال القادة الفلسطينيين ومن الخوف بسبب ظهور مناخات بداية حرب أهلية، إذ انقسمت البلاد بين من يدافع عن المؤسسة العسكرية وقائدها، وبين من يعارض الجيش ويطعن بهيكليته وتوجهاته ويحمله مسؤولية التقصير".
أضاف: "يومها، أصررت على أن يقوم الشيخ بيار الجميل بخطوة رمزية ذات دلالة تخفف من حدة التوتر، واقترحت عليه أن يشارك في تشييع القادة الفلسطينيين الثلاثة في ساحة النجمة، وكنت أعي حجم المخاطرة الأمنية التي تنطوي عليها هذه الخطوة. هال جميع المسؤولين في "الكتائب" ما اقترحته، ورفضوا حتى مناقشته، خاصة بعد المواقف الواضحة التي أعلنها الحزب دعمًا للجيش، لكن شجاعة الشيخ بيار الجميل، ورغبته في ضبط الانفلات، جعلتاه يوافقني على هذه البادرة، رغم الاعتراضات التي لم تتوقف لحظة من كل المسؤولين الأمنيين والعسكريين داخل الكتائب".
وتابع بقرادوني: "أعلمت ياسر عرفات برغبة الشيخ بيار الجميل، فأبدى تشجيعًا كبيرًا وأكد لي أنه سيتخذ أقصى التدابير لحماية رئيس "الكتائب"، وكلف أبو حسن سلامة مسؤول أمن فتح التنسيق معي".
وقال: "كان يوم التشييع استثنائيًّا في حياة بيروت: ربع مليون نسمة رفع الألم حزنها إلى حالة الهستيريا، وبات من الصعب ضبط حدود غضبها، ومع اقتراب الموعد تدخل وليم حاوي قائد ميليشيا الكتائب، ومعه أكثرية المكتب السياسي لمنع الشيخ بيار الجميل من الذهاب إلى بحر التشييع، لكن رئيس الكتائب حسم الأمر في اللحظة الأخيرة، وركب سيارته متوجهًا إلى ساحة النجمة مع مواكبة مسلحة.
وصلنا إلى مكان التشييع، وصدم الجميع برؤية الشيخ بيار الجميل يهبط من سيارته. وشاءت الصدف أن يترافق وصولنا مع وصول موكب كمال جنبلاط، وبعفوية كاملة راحت الجماهير تهتف بحياة الزعيمين، وساد جو من الرهبة والوحدة، ودخل كمال جنبلاط وبيار الجميل، جنبًا إلى جنب إلى المسجد، وكأن لبنان يعاند قدره ويحاول دفع الحرب المقتربة.
وفيما الشيخ بيار الجميل يقدم التعازي، جاءني أبو حسن سلامة وقال لي بلهجة من يتخوّف من حدوث مفاجأة، إنه من الأفضل أن لا نرافق الشهداء إلى المقبرة، وأن يخرج الشيخ بيار الجميل حفاظًا على أمنه من الباب الخلفي للمسجد، وفهمت من أبو حسن سلامة أنه يشعر بالخوف على الشيخ بيار، وبالقلق من أن يقدم أحد ما على أن يحوّل التشييع إلى بداية حرب.
لم يكن أمامنا سوى ترك سيارات المواكبة عند المدخل الرئيسي والخروج من الباب الخلفي الذي يطل على مقهى "الأوتوماتيك"، وكانت الطرقات خالية تمامًا وصادف مرور سيارة أجرة توقف سائقها فصعدنا معه.
لم ينتبه سائق السيارة لدى توقفه لهوية الركاب، وعقد الذهول لسانه حين أدرك أنه يقل الشيخ بيار الجميل في هذه الأجواء وبلا حراس، وبدا كمن يحس بخطورة هذا النوع غير العادي من الركاب فسابق اللحظات لإيصالنا إلى بيت "الكتائب"، الذي وصلناه والجميع في حالة غليان، خاصة بعد التقارير التي وصلت وأكدت أن لا أقل من 10 آلاف مسلح كانوا متواجدين في الجنازة".