المصدر: إرم نيوز
السبت 12 أيلول 2026 11:43:25
أثار إحجام إيران عن التدخل المباشر، رغم تدمير أضخم أصولها العسكرية واللوجستية فوق تلة علي الطاهر بجنوب لبنان، تساؤلات عدة في مراكز تقييم السياسات وعواصم القرار الاستراتيجي عبر العالم، والذي تكرّس جلياً عقب تحوّل هذه المرتفعات إلى ركام، إثر عملية هندسية وتدميرية هائلة غيّرت تضاريس المنطقة المستهدفة بالكامل.
وكشفت تقارير استخبارية غربية مسربة، أن قرار طهران بتجميد وعيدها العسكري لم يكن مناورة سياسية مؤقتة، بل فرضته محددات بالغة الحرج يتقدمها انكشاف العمق الجوي الإيراني.
وتؤكد التقييمات العسكرية الصادرة عن البنتاغون أن الضربات الجوية المركزة التي تلقّتها إيران في الأشهر الماضية دمرت الجزء الأكبر من منظومات الدفاع الجوي بعيدة المدى، لا سيما بطاريات "اس 300" الروسية الصنع ومثيلاتها المحلية.
دفع هذا الواقع الجوي الصادم القيادة العسكرية والسياسية في طهران إلى إدراك أن أي قصف صاروخي جديد باتجاه تل أبيب سيقابله رد إسرائيلي فوري يعصف بالمنشآت النفطية الحيوية في جزيرة خارج والمجمع النووي في نطنز وفردو.
ويمثل فقدان هذه الأصول تهديداً وجودياً مباشراً لبنية النظام، مما دفع طهران إلى لجم انفعالها ومراقبة تصفية حصنها اللبناني الأكبر فوق تلة علي الطاهر دون الدخول في مواجهة ميدانية مباشرة.
وقد تبدّى هذا الانكفاء الاستراتيجي الإيراني ميدانياً بانتهاء إسرائيل من تفجير المجمع المحصّن التحت أرضي التابع لحزب الله في مرتفعات تلة علي الطاهر بواسطة 1100 طن من المواد المتفجرة شديدة التدمير.
وأحدث التفجير ارتجاجات جغرافية عنيفة سجلتها مراكز الرصد العالمية كهزة أرضية ضربت المنطقة بقوة 4.1 على مقياس ريختر.
ومع اكتمال عملية التدمير المتزامن لـ8 أنفاق رئيسية يتجاوز طولها الإجمالي 5400 متر، بادر الجيش الإسرائيلي إلى إخلاء التلة والانسحاب الكامل إلى خطوط خلفية في محيط قلعة الشقيف.
واعتمدت القوات المنسحبة استراتيجية فرض المنع الناري والرقابة الجوية المستمرة، ليتضح أن المفارقة السياسية الأكثر دوياً في حسابات القوى بالشرق الأوسط لم تكن في حجم المتفجرات الهدّام، بل في تعرية حقيقة الردع الإيراني ودخوله طور التجميد القسري تفادياً لانهيار النظام الداخلي.
ولم يكن مجمع أنفاق مرتفعات علي الطاهر مجرد خنادق دفاعية محلية، بل مثّل على مدار عقدين كاملين العصب العملياتي واللوجستي والقيادي لـ"وحدة بدر" التابعة لحزب الله، وهي الوحدة المسؤولة عن إدارة العمليات الحربية في القطاع الأوسط اللبناني.
وأظهرت المعطيات الميدانية التي تكشفت عقب انتهاء العملية أن قوات النخبة من "الفرقة 36" الإسرائيلية نجحت في تطويق التلة عبر مناورة التفافية معقدة بدأت بعد السيطرة على قلعة الشقيف وعبور نهر الليطاني.
وعلى مدار أسابيع من التمشيط التقني والاستعانة بالروبوتات الهندسية التابعة لوحدة "ياهالوم" لتجنب الكمائن التحت أرضية، تم التثبت من إخلاء ممرات الانفاق ومخازنها بعد القضاء على بعض العناصر المتحصنة وفرار آخرين.
وبحسب التقارير التقنية، احتوت المنشأة على منصات هيدروليكية مخفية مخصصة لإطلاق الصواريخ الباليستية والموجهة، وترسانة ضخمة شملت طائرات مسيّرة انقضاضية إيرانية الصنع وصواريخ مضادة للدروع، بالإضافة إلى شبكة اتصالات سلكية معقدة ومستقلة تؤمن الربط المباشر مع مراكز القيادة العليا في ضاحية بيروت الجنوبية.
وترى مصادر غربية، تحدثت لـ"إرم نيوز"، أن إيران تمر بمرحلة انتقالية حرجة للغاية في أعقاب غياب المرشد الأعلى السابق علي خامنئي، مشيرة إلى أن المجلس الأعلى للأمن القومي والقيادة المؤقتة في طهران يضعان استقرار الجبهة الداخلية، ومنع أي اضطرابات شعبية أو انشقاقات داخل الأجهزة الأمنية في صدارة الأولويات، مما يلغي تماماً خيار المغامرة بحرب إقليمية شاملة في الوقت الراهن.
وكشفت المصادر أن واشنطن مررت رسالة تحذيرية بالغة الصرامة عبر الوسيط السويسري والقنوات العُمانية إلى القيادة الإيرانية قُبيل عملية علي الطاهر، تضمنت نصاً واضحاً يفيد بأن أي استهداف إيراني مباشر لإسرائيل سيُجبر الولايات المتحدة على الدخول في المعركة بشكل مباشر، ولن تقتصر العمليات الأمريكية على اعتراض الصواريخ بل ستشمل تدمير أهداف استراتيجية وسيادية في العمق الإيراني.
وأوضحت أن مرحلة ما بعد تفجير علي الطاهر لا تشبه ما قبلها، وأن موازين القوى تمت إعادة صياغتها بالكامل، مؤكدا أن تدمير مرتفعات علي الطاهر بالكامل يمثل تقويضاً هيكلياً لعقيدة الدفاع التحت أرضي التي شيدها حزب الله برعاية إيرانية على مدى عشرين عاماً.
ومن جانبه، اعتبر المحلل السياسي لطفي الزغيّر، أن العملية الأخيرة في تلة علي الطاهر كشفت أن مفهوم وحدة الساحات قد انتهى عملياً، وأن إيران مستعدة للتضحية بأهم قلاع حزب الله الاستراتيجية لتفادي مواجهة مباشرة مع تحالف تقوده واشنطن.
وأضاف، في تصريح لـ"إرم نيوز"، أن تكتيك الجيش الإسرائيلي بالنسف ثم الانسحاب يعكس رغبة في خلق منطقة منع نارية وتجنب استنزاف الجنود في نقاط ثابتة، وهو نجاح مزدوج حقق الردع واختبر حدود التراجع الإيراني.
ويرى أن طهران تمارس حالياً ما تُطلق عليه الأدبيات السياسية الإيرانية المرونة الشجاعة، وهو في الحقيقة انكفاء برجماتي بارد لحماية رأس النظام، فالقيادة الإيرانية تدرك أن ميزان القوى العسكري يميل لصالح الخصوم، ولذلك تفضل تجرع الضربات الحالية في أذرعها الإقليمية وإعادة ترتيب بيتها الداخلي، مراهنةَ على استكمال برنامجها النووي التحت أرضي كأداة ردع نهائية بديلة تضمن بقاءها مستقبلاً.
في ضوء المعطيات السابقة، فإن المعطيات الجيوسياسية المترتبة على نسف أنفاق علي الطاهر تؤكد أن الصراع الإقليمي قد تجاوز قواعد الاشتباك التقليدية، فالنموذج العسكري القائم على تشييد مدن محصنة تحت الأرض لخوض حروب استنزاف طويلة المدى، بات يواجه معضلة حقيقية أمام التفوق التكنولوجي والهندسي المدعوم برصد استخباراتي دولي دقيق.
ويكشف القرار الإيراني بالانكفاء عن تحول جوهري في العقيدة الأمنية لطهران، إذ انتقلت من مرحلة الهجوم والضغط عبر الوكلاء إلى مرحلة الدفاع عن الذات والتفاوض لحماية المكتسبات السيادية.