المصدر: المدن
الكاتب: ميشال فلاح
الأربعاء 9 أيلول 2026 17:12:13
لم تعد الدراجات النارية في بيروت مجرد وسيلة نقل. أصبحت جزءاً من المشهد الاقتصادي والاجتماعي للمدينة، ووسيلة رزق لآلاف العاملين، وفي الوقت نفسه أحد أكثر مصادر الفوضى المرورية إثارةً للجدل. فالسؤال المستجد: هل نمنع الدراجة النارية؟ أو هل تستطيع الدولة أن تستمر في السماح بإدخال أعداد جديدة إلى سوق لم تنجح بعد في تنظيم الموجود فيها؟
الجواب، مبدئياً، يستدعي إجراءً استثنائياً، وهو وقف استيراد الدراجات النارية الجديدة لفترة محددة، لا بهدف القضاء على هذا القطاع، بل بهدف تنظيمه وإعادة الدولة إلى موقعها الطبيعي كجهة ناظمة.
المشكلة بدأت قبل الشارع
الأرقام المتداولة تكشف حجم الظاهرة. فقد أشارت بيانات منشورة إلى استيراد 177,388 دراجة نارية بين 2017 ونهاية تموز 2022، منها 29,102 في عام 2021 وحده، و47,077 خلال الأشهر السبعة الأولى من 2022.
وفي تقديرات أخرى، بلغ عدد الدراجات الموجودة في لبنان نحو 800 ألف دراجة، بينها حوالى 370 ألفاً مسجلة رسمياً. كما أشارت تقديرات صحافية إلى أن عدد الدراجات التي دخلت البلاد خلال عشر سنوات بلغ نحو 626 ألفاً.
قد تختلف الأرقام باختلاف مصدرها ومنهجية احتسابها، لكن النتيجة واحدة، أسطول الدراجات تضخّم بسرعة أكبر من قدرة الدولة على تسجيله وضبطه. وهنا تكمن المشكلة. فلا يجوز أن تستمر الدولة في استقبال دراجات جديدة، فيما لا تعرف بدقة عدد الدراجات الموجودة أصلاً، ولا مالكيها، ولا نسبة المسجل منها، ولا نسبة المؤمّن، ولا عدد السائقين الحائزين رخص سوق صالحة.
وقف الاستيراد ليس عقوبة
قد يبدو اقتراح وقف الاستيراد جذرياً، لكنه لا ينبغي أن يكون دائماً أو عشوائياً. المطلوب وقف مؤقت ومحدد زمنياً، مثلاً لمدة سنة أو 18 شهراً، مع استثناءات ضيقة ومدروسة عند الضرورة، على أن تستغل هذه الفترة لإعادة ترتيب القطاع.
وخلال فترة الوقف، تقوم الدولة بأربع عمليات متوازية:
أولاً :تسجيل جميع الدراجات الموجودة والقابلة قانوناً للتسجيل.
ثانياً: إخضاعها للفحص الفني والتأكد من مطابقتها لشروط السلامة.
ثالثاً: ربط كل دراجة بمالك محدد وتأمين إلزامي ورخصة سوق صالحة.
رابعاً: ضبط الدراجات غير القانونية أو غير القابلة للتسوية وفق إجراءات واضحة، مع عدم تحويل المعالجة إلى فوضى في المصادرات.
وعندما تنتهي هذه العملية، يمكن إعادة فتح الاستيراد ضمن نظام حصص أو سقف سنوي يرتبط بحاجات السوق وقدرة الدولة على التسجيل والرقابة.
الدولة بدأت، لكنها تحتاج إلى خطوة أبعد
اتخذت وزارة الداخلية في نهاية 2025 خطوة مهمة عندما منعت التجار والمعارض من تسليم أي دراجة جديدة أو مستعملة مستوردة قبل تسجيلها أصولاً، وألزمتهم بتسليم خوذة للمشتري. وأظهرت الأرقام أن هذا القرار كان له أثر واضح، فقد ارتفع التسجيل من 2,331 دراجة في كانون الأول 2025 إلى 2,929 في كانون الثاني 2026، ثم إلى 3,916 في شباط. وعاد الرقم إلى 3,971 في حزيران بعد تراجع خلال أشهر الحرب.
لكن هذه الإجراءات تعالج الدراجة الجديدة عند دخولها النظام، ولا تحل وحدها مشكلة مئات آلاف الدراجات الموجودة أصلاً خارج النظام. ولهذا فإن وقف الاستيراد المؤقت يمكن أن يكون بمثابة فترة لإعادة ضبط القطاع.
وماذا عن حق التجارة؟
قد يعترض البعض بأن وقف الاستيراد يمس حرية التجارة والمنافسة. وهذا اعتراض جدي قانوناً ومشروع. لذلك لا يجوز أن يكون القرار مجرد إجراء إداري مفتوح المدة، بل يجب أن يستند إلى نص قانوني واضح، وغاية مشروعة، ومدة محددة، ومبررات تتعلق بالسلامة العامة والنظام العام، مع مراعاة مبدأ التناسب وعدم التمييز.
فالغاية ليست حماية بعض التجار من المنافسة، ولا رفع أسعار الدراجات الموجودة في السوق، ولا خلق احتكار جديد. الغاية هي أن تتوقف الدولة مؤقتاً عن زيادة حجم المشكلة إلى أن تصبح قادرة على إدارة حجمها الحالي.
بيروت لا تحتاج إلى حرب على الدراجة
هناك أيضاً بُعدٌ اجتماعي لا يمكن تجاهله. الدراجة النارية أصبحت وسيلة نقل أساسية لذوي الدخل المحدود، وأداة عمل لعشرات آلاف العاملين في التوصيل والخدمات، ووسيلة أقل كلفة من السيارة في مدينة تعاني من أزمة نقل عام حقيقية. لذلك فإن الحل ليس مصادرة الدراجات بالجملة، ولا معاقبة مستخدميها جماعياً. المطلوب هو التمييز بين الدراجة القانونية والسائق الملتزم، وبين المركبة غير المسجلة أو السائق الذي يعرّض حياته وحياة الآخرين للخطر.
وقد أظهرت حملات بيروت في صيف 2026 حجم المشكلة. آلاف الدراجات حُجزت وآلاف محاضر المخالفات نظمت خلال أسابيع. وهذه الأرقام لا تعني أن كل مستخدمي الدراجات مخالفون، لكنها تقول شيئاً واضحاً، بأن المعالجة الأمنية وحدها لم تعد كافية.
نحو «رخصة» لكل القطاع
الحل الأكثر عقلانية قد يكون إنشاء منظومة متكاملة للدراجات النارية: قاعدة بيانات وطنية، تسجيل إلزامي، فحص تقني، تأمين، رخص سوق، تشديد على الخوذ والسرعة والقيادة الخطرة، وتنظيم مهني خاص بقطاع التوصيل. وبالتوازي، يمكن اعتماد سقف سنوي للاستيراد بعد انتهاء فترة التجميد، ويصبح حجم الدراجات الجديدة متناسباً مع قدرة الدولة على تسجيلها ومراقبتها.
فالقاعدة بسيطة، لا يجوز أن تستورد الدولة مركبات أسرع من قدرتها على تنظيمها.
لا حلَّ سحريّاً
وقف الاستيراد المؤقت ليس حلاً سحرياً، ولا ينبغي أن يتحول إلى سياسة دائمة. لكنه قد يكون الفرصة الأخيرة لتنظيم سوق خرج عن قدرة الدولة على السيطرة. فإذا كانت الدولة لا تعرف بدقة كم دراجة تسير على طرقاتها، ومن يملكها، ومن يقودها، وهل هي مسجلة ومؤمنة وصالحة للسير، فإن إضافة عشرات الآلاف من الدراجات الجديدة كل عام لا تكون سياسة نقل، بل استمراراً للفوضى، وعداداً للموت، للأسف.
لذلك، ربما حان الوقت لقرار واضح، جمّدوا الاستيراد لفترة محددة، سجّلوا الموجود، نظّموا القطاع، حاسبوا المخالف، واحموا الملتزم، ثم افتحوا السوق من جديد وفق قواعد واضحة. فالمطلوب ليس قتل الدراجة النارية، فهي أصبحت جزءاً من اقتصاد لبنان. المطلوب أن تتوقف الدولة عن إنتاج الفوضى، وأن تبدأ بإدارة هذا القطاع كقطاع نقل حقيقي.
وفي مدينة مثل بيروت، قد يكون وقف الاستيراد مؤقتاً أقل ضرراً من الاستمرار في استيراد الفوضى.