المصدر: أساس ميديا
الكاتب: نديم قطيش
الاثنين 22 حزيران 2026 07:28:28
تعيش إيران، على وقع التفاهم المرحليّ مع واشنطن، نشوة ما تحسبه انتصاراً استراتيجيّاً، مستندة إلى نجاة نظامها من الحرب الأميركيّة والإسرائيليّة غير المسبوقة عليها. لكنّ الخطاب الدعائيّ المصاحب لهذه النشوة، ونقطة ارتكازه لبنان قبل غيره، لا يأخذ بعين الاعتبار أنّنا نتعامل مع محاولات تقطيع للوقت، بغية تأجيل أو تبديد انفجارات أكبر. كما أنّ السرديّات الانتصاريّة تصطدم بجدار سميك من الوقائع الموضوعيّة السلبيّة والأزمات البنيويّة القاتلة في الداخل الإيرانيّ.
لبنان مرشّح لأن يتحوّل إلى ساحة اختبار رئيسيّة لحدود القوّة الإيرانيّة، مع ما يترتّب على ذلك من أثمان اقتصاديّة وسياسيّة باهظة ستُدفع في محاولة تبديد المعنويّات الإيرانيّة المكتسبة.
تواجه طهران، خلف خطابات القوّة والردع الإقليميّ، أزمتين وجوديّتين داخل حدودها:
طوق نجاة؟
يفسّر هذا الانسداد الداخليّ بعضاً من إصرار إيران على تقديم بند لبنان، في ورقة التفاهم، على غيره من البنود. ففي ظلّ استفحال المأزق الداخليّ، يصبح الملفّ الخارجيّ طوق النجاة الوحيد للنظام. يعني ذلك أنّ إيران ستهرب عبر جبهة جنوب لبنان وترسانة “الحزب” إلى الأمام، لإثبات أنّ “عمقها الاستراتيجيّ” لا ينتهي عند حدودها، وأنّها لا تزال قادرة على تهديد العمق الإسرائيليّ وتعطيل الملاحة في شرق المتوسّط، ممّا يضمن لها مقعداً إجباريّاً على طاولة أيّ تفاوض دوليّ.
في المقابل، يستثمر خصوم إيران هذه التهدئة المرحليّة لإجراء تقييم استخباراتيّ وعسكريّ شامل للحجم الحقيقيّ لدمار الضربات الجويّة التي استهدفت المنشآت النفطيّة والعسكريّة الإيرانيّة، وفحص السلوك الإيرانيّ في ضوئها. كما يحتاج هؤلاء إلى تجديد الاستعدادات العمليّاتيّة بالعتاد الهجوميّ والدفاعيّ، وتطوير خطط هجوميّة جديدة للتعامل مع التحدّي الإيرانيّ. كما تأتي هذه التهدئة بتوقيت حرج لتمرير الانتخابات النصفيّة الأميركيّة في تشرين الثاني 2026 بأقلّ الأضرار الممكنة، إذ تسعى إدارة ترامب للتحكّم بحجم خسائرها المتوقّعة، حيث جرت العادة التاريخيّة أن يخسر حزب الرئيس هذه الانتخابات جزئيّاً أو كلّيّاً، عبر تسويق لجم طهران كإنجاز حاسم.
الأكيد أنّ الملفّ الاستراتيجيّ لإيران لا يحتمل صيغة “النزاع المجمّد” على غرار غزّة (حيث نُفّذ وقف إطلاق النار وبقيت كلّ البنود عالقة). فحراجة وضع خطوط الملاحة الدوليّة ومصادر الطاقة في مضيق هرمز وباب المندب، وتجاوز إيران للعتبات التقنيّة في ملفّها النوويّ، يمنعان القوى الكبرى من القبول بـ”استاتيكو” (وضع راهن) مؤقّت وطويل المدى، خشية أن يمنح تجميد الصراع طهران فرصة ذهبيّة لإنتاج سلاح ردع نوويّ كامل.
تطالب دول الخليج بشكل حاسم بأن يشمل أيّ اتّفاق دائم قيوداً حقيقيّة على سلاح المسيّرات والصواريخ الباليستيّة الإيرانيّة، وبنداً صريحاً ينصّ على “عدم التدخّل في الشؤون الداخليّة”.
في قعر المعادلة الصّفريّة؟
إلى ذلك يتعارض الاستقرار الاقتصاديّ للعواصم الخليجيّة، والقائم على السياحة والتكنولوجيا والخدمات، مع بيئة مرشّحة بشكل دائم للاشتعال. لذلك تطالب دول الخليج بشكل حاسم بأن يشمل أيّ اتّفاق دائم قيوداً حقيقيّة على سلاح المسيّرات والصواريخ الباليستيّة الإيرانيّة، وبنداً صريحاً ينصّ على “عدم التدخّل في الشؤون الداخليّة”. كما ترفض دول الخليج أن يقع على عاتقها العبء الماليّ الاستراتيجيّ المرتبط بإعادة الإعمار في إيران، وتتمسّك بعدم استعدادها لتمويل إعادة إعمار إيران أو لبنان ما لم تتغيّر القواعد الاستراتيجيّة وينتهي التغوّل الإيرانيّ عامّةً، واختطاف القرار السياسيّ في بيروت لصالح طهران بشكل خاصّ.
يقع لبنان إذن في أعمق نقطة من المعادلة الصفريّة التي تحكم هذا الكباش الإقليميّ، حيث تتحوّل الحاجة الماسّة لتأمين الصوت السياسيّ والعسكريّ لطهران، أو حرمان إيران من ذلك، إلى نزيف اقتصاديّ وسياديّ مدمّر للدولة اللبنانيّة.
فرغبة طهران في إثبات قدراتها الاستراتيجيّة خارج حدودها، والجهود الرامية إلى حصر نفوذ إيران داخل حدودها، تمرّان حكماً من باب إيذاء ما تبقّى من مؤسّسات الدولة اللبنانيّة، عمداً أو عن غير قصد.
لذلك تبدو المحرّكات الأساسيّة للصراع قائمة وتندفع نحو الانفجار فور انتهاء حاجة الأطراف لترتيب صفوفها بعد الانتخابات الأمريكيّة، ما من شأنه أن يُبقي لبنان الساحة الأكثر مأساويّة التي تدفع ثمن صراع “الفيلة” من سيادتها، واقتصادها، وثرواتها الضائعة في قاع المتوسّط.