بين القرار والتنفيذ: آلية إعادة الإعمار رهينة المال والسلاح والاستقرار المفقود

في خطوة بارزة، أقرّ مجلس الوزراء في قصر بعبدا الجمعة الماضي آليّة رسميّة لإدارة عمليات إعادة الإعمار، وقد وافق على منهجية وآليّات التدخل لإعادة الإعمار كجزء من بنود جدول الأعمال (البند 23)، بهدف وضع إطار حكوميّ محدّد لكيفية تنفيذ مشاريع التعافي.

تأتي هذه الخطوة في ظلّ احتياجات ضخمة لإعادة البناء بعد حرب الإسناد المدمّرة التي قادها "حزب اللّه" والتي أدّت إلى دمار واسع في الجنوب والضاحية والعديد من المناطق الأخرى. وبحسب تقديرات البنك الدولي، فإن تكلفة إعادة الإعمار تصل إلى نحو 11 مليار دولار، تشمل البنى التحتية والخدمات وقطاعات الإسكان والتجارة والصناعة.

ولكن الأرقام الواردة في تقرير البنك الدولي ليست نهائية، حيث إنها تقف عند 20 كانون الأول 2024 بينما تدمير الوحدات السكنية وغير السكنية من قبل إسرائيل مستمرّ. فمثلًا في الناقورة، تسبّبت عمليات التفخيخ والتفجير والتجريف الإسرائيلية بعد وقف إطلاق النار في تدمير 183 مبنى إضافة إلى المباني المدمّرة سابقًا وعددها 109، ما يعني أن معطيات البنك الدولي قد تغيّرت والكلفة زادت عمّا كانت عليه التقديرات في مرحلة ما قبل وقف إطلاق النار لتصل إلى 13 مليار دولار. كما تغيّرت تقديرات البنك الدولي في العديد من البلدات الجنوبية ولا سيّما في أقضية مرجعيون، بنت جبيل، وصور.

ولكن ما الذي تتضمّنه الآلية الحكومية لإعادة الإعمار؟ تضع الآلية خطوطًا عامة لإدارة عملية الإعمار، تشمل:

- تحديد الجهات الحكومية المسؤولة عن كلّ مرحلة من مراحل التنفيذ مع ضوابط للشفافية والمساءلة.

- تنظيم كيفية التنفيذ وفق أولويات واضحة، على أن تبدأ بالبنى التحتية والخدمات الأساسية أولًا.

- إعادة الإعمار بالأرقام: تقديرات الكلفة، مصادر التمويل، والفجوة القائمة.

إذا نظرنا إلى المصادر الدولية المتاحة، نجد أن مجلس النواب وافق أخيرًا على قرض بقيمة 250 مليون دولار من البنك الدولي مخصص لإعادة ترميم البنى التحتية في الجنوب، علمًا أن البنك الدولي نفسه كان قد وافق على المشروع ضمن إطار قابل للتوسّع ويصل إلى 1 مليار دولار. كذلك سبق وأعلن عن استثمارات قطرية تواكب جهود التعافي.

كلّ ذلك لا يكفي. فالحاجة تستدعي مساهمات عربية ودولية إضافية تقدّر بعشرات المليارات بالمقارنة مع المتوفر حاليًا مع الإشارة إلى أن المساعدات مشروطة وفي طليعة الشروط حصر سلاح "حزب اللّه" لمنع أي تدمير جديد لما يمكن أن يعاد بناؤه.

أولًا: تقدير الكلفة الإجمالية حسب القطاعات

- وحدات سكنية وغير سكنية: تتجاوز الأضرار 6 مليارات دولار ما بين تدمير كامل وتدمير جزئي وتضرّر إنشائي.

- إصلاح البنى التحتية الرسمية 1,1 مليار دولار.

- الخدمات العامة (مدارس، مستشفيات) 1.3 مليار دولار.

- الاقتصاد المحلّي (تجارة، زراعة، صناعة) 1.5 مليار دولار وهو شرط التعافي الطويل الأمد.

- الاتصالات والبيئة تبلغ كلفتها 0.5 مليار دولار وهي مؤجلة للمرحلة الثانية.

المجموع التقريبي 10.4 مليارات دولار والرقم متوافق مع التقديرات الدولية.

 

ثانيًا: مصادر التمويل المتاحة أو المتوقعة (حتى مطلع 2026)

-البنك الدولي – المرحلة الأولى 250 مليون دولار والمبلغ مقرّ ومتاح.

-البنك الدولي – توسعة محتملة حتى 750 مليون دولار وتأمين المبلغ مشروط بإصلاحات.

-الصناديق العربية - 100 – 300 مليون دولار والمبلغ قيد التفاوض.

-مساهمات ثنائية (دول مانحة) غير محدّدة وهي رهينة الاستقرار.

-الموازنة - مبلغ 100 مليون دولار تقريبًا تمّ نقله من احتياطي الموازنة.

 

ثالثًا: فجوة التمويل

-الحاجة الكلية: 11 مليار دولار على أقلّ تقدير.

-التمويل المؤمن أو المحتمل: 1 مليار دولار (في أفضل الأحوال).

-الفجوة التمويلية: 10 مليارات دولار.

هذه الفجوة هي التحدّي المركزي أمام أي خطة إعادة إعمار التي تبقى في مهبّ الريح حتى وإن تمّ إقرار الآلية.

السؤال الأبرز: كيف تنفذ الآلية على الأرض؟

المرحلة الأولى (2026–2027)

بنى تحتية أساسية وخدمات عاجلة وإزالة أنقاض وترميم المباني التي تحتاج إلى تدعيم إنشائي، وهذه المرحلة هي الأكثر قابلية للتنفيذ حاليًا.

المرحلة الثانية (2027–2029)

إسكان دائم ومدارس ومستشفيات، ويحتاج تنفيذها تمويلًا أوسع وإصلاحات.

المرحلة الثالثة (بعد 2029)

تنمية اقتصادية، استثمارات خاصة، وهي مرتبطة بالاستقرار السياسي.

إذًا، يمكن تحديد نقاط القوّة في الآلية التي أقرّت. فللمرة الأولى، هناك إطار حكومي رسمي موحّد لإعادة الإعمار.

أمّا بالنسبة إلى نقاط الضعف، فإن الآلية إدارية أكثر منها تنفيذية، ولا تتضمّن جدولًا زمنيًا ملزمًا وأرقامًا تفصيلية وهيئة مستقلة كاملة الصلاحيات. كما أن كلّ الأرقام بالنسبة إلى الأضرار والوحدات المدمّرة والمسوحات الميدانية مصدرها "جهاد البناء" ومؤسسات "حزب اللّه" وتحتاج إلى تدقيق كبير لمعرفة المستفيدين وحجم الضرر والتعويض.

في المحصّلة، رغم إقرار مجلس الوزراء آلية إعادة الإعمار، تظهر الأرقام أن لبنان لا يزال في بداية طريق طويلة، إذ لا يغطي التمويل المتوافر سوى جزء محدود من الحاجات الفعلية. وبين إطار حكومي وواقع اقتصادي هش، تبقى إعادة الإعمار مرهونة بعاملين حاسمين: قدرة الدولة على تنفيذ إصلاحات حقيقية، واستعداد المجتمع الدولي للانتقال من الدعم الجزئي إلى الشراكة الكاملة بعد تنفيذ أجندة سياسية واضحة تبدأ بحصر السلاح ولا تنتهي بتثبيت منطق الدولة على منطق الدويلات والميليشيات الموجودة.