بين النزوح السوري الجديد والعودة الطوعية...إنسحاب المانحين يدفع إلى حل الملف بالقوة الناعمة

501600 ألف فرد، هو عدد السوريين الذين غادروا لبنان حتى نهاية شهر كانون الأول من العام الماضي، أي بزيادة نحو مئة ألف عن الأرقام التي توقعتها السلطات الرسمية اللبنانية وأعلنتها وزيرة الشؤون الاجتماعية بالتنسيق مع المفوضية السامية للاجئين UNHCR والأمن العام اللبناني. فيما المتوقع أن يرتفع العدد بحدود الـ 400 ألف شخص بحلول شهر حزيران المقبل، وفقًا لخطة الاستجابة التي وضعتها الحكومة للعام 2026 بالتعاون مع الأمم المتحدة. فهل أصبح لبنان فعلًا على مشارف إقفال هذا الملف الذي أَثقله بالأزمات وأُثقل بها منذ العام 2011؟

مع بداية العام الجاري، أعلنت UNHCR عن برنامج 18 رحلة للعودة المنظمة حتى شهر حزيران المقبل. واحدة منها انطلقت فعلًا في أواخر كانون الثاني الماضي، وتتبعها رحلة أخرى في 25 شباط الجاري، على أن تبدأ وتيرة هذه الرحلات بالارتفاع بدءًا من شهر آذار، بمعدل رحلتين في الشهر، وثلاث في نيسان، وأربع في كل من الأشهر التالية.

تشكل هذه الرحلات مؤشرًا لحجم العودة التلقائية المستمرة منذ أشهر، حتى لو كان معظمها يعتمد على الموارد الذاتية. وبالتالي فإن تراجع عدد الرحلات شتاءً، وإن كان يرتبط في جزء منه بالترتيبات اللوجستية المطلوبة، وخصوصًا مع الإقفال القسري لمعبر العريضة شمالًا على أثر السيول التي اجتاحته في مطلع الشتاء الجاري، فإنه يكشف أيضًا عن تمديد البعض لإقامتهم في لبنان إلى ما بعد انتهاء فصل الشتاء، الأكثر صعوبة على العائلات المصنفة هشة خصوصًا. وهذا ما يشكل مؤشرًا الى أن لبنان قد لا ينجح مع نهاية هذا العام في تحقيق هدفه بالانتقال من مرحلة إدارة ملف للنزوح إلى مرحلة تنظيم للعمالة.

النزوح الجديد يربك الحسابات

لا شك أن سقوط نظام بشار الأسد حرك دينامية العودة الطوعية بعد أكثر من عقد على الأزمة الممتدة منذ العام 2011. إلا أن العودة المتزايدة، على أهميتها، لا تزال محكومة بعوامل خارجية متقلّبة، من التمويل الدولي إلى الاستقرار داخل سوريا، فيما يفرض النزوح الجديد واقعًا معاكسًا يعيد خلط الأولويات، حتى لو بقي حجمه دون حجم النزوح الأول إلى لبنان.

فوفقًا لما يورده تقرير خطة الاستجابة اللبنانية للعام 2026، دخل إلى لبنان من سوريا بعد عام 2024، 120 ألف وافد. وهذا ما أبقى لبنان في صدارة الدول التي استضافت أعلى عدد من النازحين منذ سنوات، نسبة إلى عدد السكان على مستوى العالم.

وبحسب المعلومات فإن الوافدين الجدد، ومعظمهم من مؤيدي النظام السوري الساقط، غير مستعدين حاليًا حتى لمناقشة مسألة عودتهم الى بلادهم في ظل النظام الجديد، محمّلين لبنان مخاطر اجتماعية وسياسية وأمنية، لا يخفي اللبنانيون وسلطاتهم الرسمية خشيتهم منها. وهذا ما يتطلب وفقًا لتعليقات سياسية، سعيًا جديًا من قبل سلطتي البلدين لوضعه على طاولة البحث، واقتراح حلول مستدامة بما يتوافق مع القوانين والأنظمة اللبنانية، مع الالتزام في الوقت نفسه بمعايير الحماية الدولية، خصوصًا أن قنوات الحوار فتحت بين البلدين مع وصول ملف المعتقلين السوريين في السجون اللبنانية الى خواتيمه المقبولة.

التمويل ينسحب وطريق العودة يفتح

تكشف الأرقام في المقابل تراجعًا حادًا في التزام الجهات المانحة بدعم إقامة النازحين خارج بلدهم، سواء القدامى منهم أم الوافدين الجدد. إذ إن معظم التمويل الدولي المتبقي، وجّه نحو تشجيع العودة الطوعية، من مختلف بلدان اللجوء، فيما اقتصر الدعم المخصص للسوريين داخل دول النزوح، على مرحلة انتقالية قصيرة ومحدودة السقف.

في لبنان تحديدًا، قدّرت الحاجة للنصف الأول من العام 2026، بنحو 62 مليون دولار لتمكين العودة، وضمان استدامتها، لما يصل لـ 200 ألف شخص سيطلبون مساعدة مباشرة. إلا أن فجوة التمويل ما تزال تشكّل أحد أبرز العوائق أمام توسيع نطاق العودة إلى ما بعد هذه المرحلة.

بحسب المعلومات فإن التمويل الذي توفر لمفوضية اللاجئين ومنظمة الهجرة الدولية، سمح بجدولة رحلات العودة الطوعية المنظمة حتى شهر حزيران المقبل، مع ربط أي زيادة لاحقة في عدد الرحلات بتوافر موارد إضافية غير مضمونة. في المقابل، ورغم أن الدولة اللبنانية تقدّر عدد النازحين السوريين المقيمين على أراضيها بنحو مليون شخص، يضاف إليهم عشرات آلاف الوافدين الجدد، فإن الدعم الدولي المخصص لاستمرار رعاية المسجّلين لدى المفوضية بلغ أدنى مستوياته في عام 2026.

وتشير المعطيات إلى أن المفوضية لم تتمكن حتى الآن من تأمين أكثر من عُشر المبلغ الذي وجّهت نداءات عاجلة لجمعه من الدول المانحة، ما انعكس تقلصًا في الخدمات، ورفع الغطاء التدريجي عن مئات آلاف النازحين، ودفعهم عمليًا نحو الاختيار بين العودة والبقاء من دون أي شبكة أمان.

منظومة الحماية في لبنان تتفكك

انطلاقًا من هنا قد لا تقترن الوتيرة المتزايدة لعودة السوريين إلى بلدهم فقط بالواقع السياسي المتبدل في سوريا، أو بتراجع أوضاع هؤلاء المعيشية في لبنان، وفقًا لما بينته استبيانات الرأي. بل شكّل تبدل أولويات تدفق الهبات التي كانت تصل إلى هؤلاء، ووجهتها، عاملًا بارزًا في تسهيل هذه العودة.

فالعائدون إلى سوريا ليسوا وحدهم من خرجوا من نظام الحماية الأممي في لبنان. ووفقًا لآخر تحديثات المفوضية التي حصلت عليها "نداء الوطن" من مصدرها، فإن نقص التمويل خلّف تداعياته على مختلف الخدمات المقدمة للسوريين المقيمين على الأراضي اللبنانية، على الشكل التالي:

- الغاء المساعدة النقدية الطارئة للحماية لنحو 64 ألف فرد، بحيث لم تعد هذه المساعدة تصل سوى لـ 18 ألف شخص، أي بتراجع بنسبة 80 % عن العام الماضي.

- إيقاف 347 ألف لاجئ عن برنامج المساعدات النقدية التابع لـ UNHCR، ما يعني انخفاض التغطية بنسبة 60 % منذ كانون الثاني.

- تقليص برنامج المساعدات النقدية للمأوى التابع للمفوضية بنسبة 90 %، إذ انخفض عدد المستفيدين من 95 ألفًا إلى11 ألف شخص فقط، بينما لن يحصل 42 ألف شخص آخرون حتى على تحسينات السكن.

- إنهاء البرنامج المستقل للرعاية الصحية الثانوية منذ شهر كانون الأول الماضي، بحيث لم تعد UNHCR تقدّم هذه الخدمات مباشرةً لنحو 45 ألف سوري، بمن فيهم نساء حوامل. وتعمل بالمقابل على التعويض عنه بمشروع انتقالي مع الشركاء، إلى جانب توسيع برامج الصحة التابعة للأمم المتحدة، لضمان دعم الحالات الطارئة والمنقذة للحياة.

- إنهاء دعم الرعاية الصحية الأولية بشكل كامل. ما انعكس على نحو 40 ألف مسجل لدى المفوضية.

- العمل على الانتهاء كليًا من برنامج دعم قطاع التعليم، إذ لم يعد يستفيد من برامج التعلّم المجتمعي ودعم الاستمرار في التعليم هذا العام، سوى 15 ألف طفل.

كل هذه التراجعات كان من الطبيعي أن تؤدي إلى تقليص حجم الكادر البشري الذي كان يعمل مع الهيئات والمنظمات الداعمة، سواء أكان هؤلاء لبنانيين أم من جنسيات أخرى، وهو ما خلّف تداعيات مباشرة على فئة واسعة من الشباب اللبناني الذي وجد فرصته المهنية لفترة زمنية طويلة في هذه المنظمات.

العودة المستدامة تحتاج الدعم أيضًا

في المقابل تشير المعلومات إلى بدء تفعيل برامج الإقامة المستدامة للعائدين إلى بلادهم في سوريا، وإن كان الطلب حتى الآن لا يزال دون حجم الحاجات التي ولدها طول الأزمة هناك، والتي جعلت البعض يفقدون حتى السقف الذي كان يأويهم في بلدهم، وبالتالي فإن ظروف إقامتهم ببلدهم لا تقل سوءًا عما كانت عليه في لبنان.

إنطلاقًا من هنا يشكل التمويل عاملًا أساسيًا وفقًا لخطة الاستجابة التي أعدها لبنان، ليس فقط لدعم العودة، بل أيضًا لتنفيذ البرامج العابرة للحدود، وبالتالي ضمان استمرارية الخدمات، وربط العائدين ببرامج التعافي المبكر وسبل العيش وحلّ قضايا الملكية، والتي وحدها تضمن استدامة هذه العودة، وتحول دون تسرب السوريين مجددًا إلى لبنان وخصوصًا عبر المعابر غير الشرعية.

العودة كمقدمة لاستعادة الأطفال هويتهم

تتحمل السلطات اللبنانية مسؤوليتها في تسهيل العودة، من خلال إجراءات حدودية متخذة، تشمل وفقًا لما أورده الأمن العام اللبناني كل الرعايا السوريين والفلسطينيين، بعد تسوية أوضاعهم وفقًا للأصول، سواء دخلوا الأراضي اللبنانية بصورة شرعية أو غير شرعية، ومهما بلغت مدة مخالفة إقامتهم، من دون إصدار بلاغات منع دخول بحقهم بعد استيفاء الرسوم المتوجبة عليهم، على الّا يكونوا ملاحقين عدليًا.

وتعتبر هذه التسهيلات مهمة خصوصًا في تسوية أوضاع الأطفال المولودين في لبنان والذين سيرافقون عائلاتهم، حيث لا يملك 33% منهم سوى إخراج قيد ولادة صادر عن مختار، ولم يسجل منهم سوى 25 % في دفتر عائلي سوري محدّث أو بيان قيد مدني، بينما 31% فقط يملكون إخراج قيد صادر عن دوائر النفوس.

وإذا كان الإطار الزمني لتسهيلات الحدود، قد حدد حتى نهاية شهر آذار المقبل وفقًا للتعاميم المنشورة على صفحة الأمن العام اللبناني الرسمية، فذلك لن يحول دون تمديدها، بما ينسجم مع رؤية الحكومة وهدفها بإقفال ملف النزوح في لبنان بشكل مستدام. على أن يواكب ذلك تنظيم فعلي لسوق العمل والإقامة داخل لبنان. وهي خطوة تعتبر أساسية لتجنيب لبنان الحلول الانتقالية المجتزأة وارتداداتها، وبالتالي تحوّل هذا الملف من عبء مزمن، إلى مسار يحفظ السيادة ودائمًا من ضمن التزام معايير الحماية الدولية والقوانين اللبنانية.