بين تفاوضين سياسي وعسكري لبنان أمام مفترق طرق.. الجنوب مساحة معلّقة بين الحرب المفتوحة والهدنة الموقتة

 ليس التزامن بين المفاوضات اللبنانية -الإسرائيلية السياسية في واشنطن والأخرى العسكرية التي تنطلق اليوم في البنتاغون بتفصيلٍِ عابر. فالمشهد في الميدان يكشف طبيعة المرحلة كلها: إسرائيل تفاوض بالنار، ولبنان يفاوض تحت ضغط الانهيار والخراب، فيما الجنوب يتحول تدريجاً إلى مساحة معلّقة بين الاحتلال والحرب المفتوحة والهدنة الموقتة.

والسؤال الذي يفرض نفسه اليوم ليس فقط لماذا تفاوض إسرائيل وهي تتقدم ميدانياً؟ بل أيضاً على ماذا يتفاوض الطرفان فعلياً في ما التوغل الإسرائيلي تجاوز كل الأصول والمحرمات، ومسيرات الحزب تهدد من دون هوادة أمن المستوطنات الشمالية غير آبهة بالضربات التي يسددها الجيش الإسرائيلي والتي وصلت أمس وللمرة الأولى منذ إعلان آخر اتفاق هدنة إلى الضاحية الجنوبية، وبذلك تكون الرسالة وصلت إلى لبنان الرسمي وفيها أن الخرائط الحقيقية لا تُرسم في غرف التفاوض بل تحت جنازير الدبابات وفوق أنقاض القرى.

هل تنجح المفاوضات وأيهما يسبق الآخر فعلياً الميدان العسكري أم التفاوض السياسي في صناعة النتائج؟

العميد المتقاعد حسن جوني يجزم "أن هناك ارتباطا وثيقا بين الميدان والعمليات العسكرية والتفاوض السياسي. فالمفاوضات العسكرية تعكس إرادة أميركية بأن يكون هناك لقاء عسكري بين الجيشين اللبناني والإسرائيلي من أجل تنفيذ آلية معينة والذهاب لاحقاً باتجاه تطبيق آلية على الأرض لأن هناك قاسما مشتركا، إذا صح التعبير، بين الدولة اللبنانية - وإسرائيل وغاية واحدة هي سحب سلاح حزب الله، وقد عبر عن ذلك صراحة رئيس الجمهورية جوزاف عون عندما أعلن أن السلاح الوحيد هو في يد الدولة، وهناك البيان الصادر عن الحكومة الذي يحظّر نشاطات حزب الله العسكرية والأمنية، ويعتبرها "خارجة عن القانون". والولايات المتحدة تريد ترجمة هذا الإلتقاء بالأهداف، إلى آلية على الأرض من قبل الجيشين.

هل ستُترجم هذه الرؤية الأميركية؟ "هنا النقطة الأبرز يقول العميد جوني .فصحيح أن الغاية بتفسيرها الجامد واحدة، إنما الوصول إليها يشوبه خلاف كبير. فمسألة سحب سلاح الحزب مطروحة وفق خطاب رئيس الجمهورية وبيان الحكومة من زاوية استراتيجية أمن وطني، وهذا ما تكلم عنه رئيس الجمهورية، بمعنى أن يكون هناك تنسيق مع حزب الله لسحب سلاحه بعدما أصبحت هناك دولة تتحمل كامل المسؤولية ويجب وضع استراتيجية وجمع كل نقاط القوة تحت سيادة الدولة. في حين أن الرؤية من ناحية إسرائيل مختلفة تماما وهي تقوم على تجريد حزب الله من السلاح وبالتالي أي قوة أخرى من شأنها أن تهدد أمن إسرائيل. وهذه الاستراتيجية تعتمدها اسرائيل مع كل الدول المجاورة بحيث باتت تقوم على عقيدة المنع بعدما كانت تعتمد على الردع، سواء في لبنان أو سوريا أو غزة وبالتالي نحن  ذاهبون إلى صدام في حال لم يحصل أي تعاون إيجابي من قبل حزب الله ".

بالتوازي، يتوقف العميد جوني عند مسار التفاوض العسكري الذي سينطلق اليوم بين وفدين عسكريين لبناني -إسرائيلي. ويقول "نحن أمام مفترق طرق. فإما أن يتخذ الوفد العسكري اللبناني موقفاً نهائيا ويطالب بوقف إطلاق النار والانسحاب الإسرائيلي على أن تبدأ عملية تطبيق خطة الحكومة بما يتعلق بحصر السلاح. إلا أن الجانب الأميركي ليس في هذا الوارد وهم ذاهبون إلى الإجتماع  للتنسيق بين الجيشين اللبناني والإسرائيلي، بحيث تكون هناك غرفة أمنية مشتركة وآلية مشتركة لنزع سلاح حزب الله وإنهاء حالته العسكرية، لتبدأ بعدها جدولة الإنسحاب الإسرائيلي والترتيبات الأمنية الأخرى والإتفاق على تفاصيل النص. وهنا المفترق  لأن الجيش اللبناني يرفض حتى الآن الدخول في مشروع شراكة مماثلة حتى لو كانت القوة دولية لأن الحزب أعلنها صراحة أن أي عملية نزع لسلاحه بالقوة ستعامل كأنها من إسرائيل  والجيش يرفض طبعا الدخول في هذا المسار من الأساس. لذلك نحن أمام مفترق".

 إذا كان الجيش اللبناني متمسكا بمبادئه هل سيتحمل الضغط الأميركي السياسي والإسرائيلي العسكري وإلى متى؟ "الضغط المفروض على لبنان الرسمي والجيش اللبناني خطير، خصوصا إذا ارتفعت أصوات من الداخل اللبناني تطالب بإنهاء الحزب بالقوة نتيجة الخسائر الكبيرة الناتجة عن تمسكه بالسلاح واعتبار ما يجري حالة شواذ ويجب أنهاؤها والضرب على الطاولة بيد من حديد. لذلك أقول إننا أمام مفترق طرق".

يبقى الرهان على ما ستؤول إليه المفاوضات الإيرانية-الأميركية وانعكاس ذلك على وقف اطلاق النار وسلاح الحزب فهل سيرضى بتسليمه؟

"هذا رهن بطبيعة الإتفاق الأميركي-الإيراني فالحزب يشكل ورقة قوة لإيران والتخلي عن السلاح سيكون له مقابل .قد يكون في السياسة أو الأموال في النهاية إيران تقرر في موضوع سلاح حزب الله من دون شك" يختم العميد جوني.

في العقل الاستراتيجي الإسرائيلي، لا يوجد تعارض بين استمرار المفاوضات وبين تصاعد العمليات العسكرية لأن الحرب نفسها تصبح أداة تفاوض، والمفاوضات تتحول إلى امتداد للحرب. والهدف ليس الوصول السريع إلى مطلق أية تسوية، بل تسوية بشروط أفضل.

في المقابل، لا يمكن التقليل من أهمية المسار السياسي، حتى لو بدا أبطأ وأقل تأثيراً في اللحظة الراهنة. فالميدان يستطيع أن يفرض وقائع، لكنه لا يستطيع وحده إنتاج استقرار دائم. والتجارب السابقة أثبتت أن الانتصارات العسكرية غير المترجمة سياسياً تبقى مؤقتة وقابلة للانفجار مجدداً. لذلك تحتاج إسرائيل، مهما بلغت قوتها العسكرية، إلى غطاء سياسي ودولي لأي ترتيبات طويلة الأمد في الجنوب.