بين ربيع 2005 وقرار 2026: لبنان يقترب من نهاية زمن الوصايات

لم يكن لبنان يوماً بلداً عادياً في تاريخ المنطقة، ولم تكن معاركه يوماً مجرد تفاصيل عابرة في الزمن. 

ففي هذا البلد الصغير حيث تتكثف الصراعات الكبرى، وتتعاقب عليه الوصايات والمشاريع الخارجية، لكن وفي كل مرة ينهض شعبه مراراً ليذكّر الجميع بأن هذا الوطن لا يمكن أن يُختزل بساحة نفوذ أو منصة لصراعات الآخرين.

في تاريخ لبنان محطات نادرة تتحول فيها اللحظة السياسية إلى لحظة وطنية جامعة، حيث تتلاقى إرادة الناس مع توقهم العميق للحرية والسيادة، لحظات يسقط فيها الخوف، وتستعيد فيها الدولة معناها الحقيقي، ويكتشف اللبنانيون مجدداً قدرتهم على كسر الوصايات مهما بدت راسخة.

وكان عام 2005 واحدة من تلك اللحظات الاستثنائية ، يومها خرج اللبنانيون إلى الساحات، ليس فقط احتجاجاً على واقع سياسي، بل رفضاً لوصاية امتدت سنوات طويلة وصادرت القرار الوطني، خرجوا بوعي واضح أن الدولة لا يمكن أن تقوم تحت ظل الهيمنة، وأن السيادة لا تُجزّأ.

بإرادة اللبنانيين، وبضغط الشارع الذي لم يعد يقبل العيش تحت الوصاية، اندحر الاحتلال السوري وخرج من لبنان.
كانت تلك اللحظة إعلاناً واضحاً أن هذا الشعب، مهما طال الزمن، قادر على إسقاط الوصاية حين يقرر أن يستعيد دولته.

لكن لبنان، الذي تحرر من وصاية، وجد نفسه بعد سنوات أمام شكل آخر من أشكال السيطرة.

فمع انحسار النفوذ السوري، تمدد نفوذ الحرس الثوري الإيراني عبر أداته العسكرية والسياسية في لبنان: حزب الله.
شيئاً فشيئاً، لم يعد الأمر مجرد تنظيم مسلح خارج الدولة، بل منظومة كاملة موازية لها:
قرار حرب وسلاح خارج الشرعية،
اقتصاد وشبكات تمويل خاصة،
وتغلغل داخل مؤسسات الدولة نفسها.

ومع مرور الوقت، تسلل هذا النفوذ إلى مفاصل الإدارة، وإلى بعض الأجهزة والمؤسسات، حتى بات يشبه ما يمكن وصفه اليوم بـ الدولة العميقة المرتبطة بمشروع الحرس الثوري.

وهكذا وجد لبنان نفسه مرة أخرى أمام معادلة خطيرة:
دولة اسمية من جهة، ومنظومة نفوذ وسلاح وقرار فعلي من جهة أخرى.

السنوات الماضية أثبتت أن هذا الواقع لم يحمِ لبنان، بل قوّض الدولة وأضعفها.
حروب فُرضت على اللبنانيين من خارج حساباتهم الوطنية، اقتصاد انهار تحت وطأة العزلة والصراعات، ودولة فقدت تدريجياً قدرتها على فرض سيادتها الكاملة.

لكن التاريخ اللبناني علّمنا درساً واضحاً: الوصاية مهما طالت لا تصبح قدراً دائماً.

فكما خرج اللبنانيون إلى الساحات عام 2005  وأسقطوا منظومة الوصاية السورية، فإن اللبنانيين اليوم يقفون عند مفترق طريق جديد ولكن هذه المرة، لم يعد المطلوب مجرد موقف سياسي أو خطاب سيادي، بل قرار دولة واضح وحاسم.

اللبنانيون الذين أسقطوا الوصاية مرة، ينتظرون اليوم من دولتهم أن تقوم بدورها.

ينتظرون قراراً حازماً من الحكومة يعيد للدولة هيبتها ويضع حداً نهائياً لواقع السلاح الخارج عن الشرعية.

لقد حان الوقت لأن تنظف الدولة نفسها من نفوذ الحرس الثوري ومرتزقته وأدواته الذين تسللوا إلى بعض المؤسسات وأقاموا داخلها شبكات نفوذ تشبه الدولة العميقة.
فلا دولة يمكن أن تقوم بوجود ولاءات مزدوجة، ولا سيادة يمكن أن تستقيم بوجود قرار حرب خارج مؤسساتها.

إن لحظة التردد انتهت ولحظة المجاملات والمسايرات السياسية لم تعد مقبولة.

ما ينتظره اللبنانيون اليوم هو قرار حاسم يعيد الاعتبار لمفهوم الدولة الواحدة:
جيش واحد، قرار واحد، وسلطة واحدة.

فالدولة التي لا تملك قرار الحرب والسلم ليست دولة، والدولة التي تسمح بقيام منظمات مسلحة داخلها تتحول تدريجياً إلى مجرد إطار فارغ.

لقد اندحر الاحتلال السوري عام 2005  حين قرر اللبنانيون أن يستعيدوا سيادتهم.
واليوم .. يقف لبنان مرة أخرى أمام لحظة مشابهة.

الفرق الوحيد أن اللبنانيين هذه المرة لا ينتظرون انتفاضة جديدة في الشوارع بقدر ما ينتظرون قراراً شجاعاً من دولتهم.

قرار يعيد الأمور إلى نصابها. قرار ينهي مرحلة الوصاية الجديدة. قرار يعلن بوضوح أن لبنان ليس ساحة لمشاريع الحرس الثوري ولا منصة لحروب الآخرين.

لقد تعب اللبنانيون من العيش بين وصايتين ، وتعبوا من دفع أثمان مشاريع لا تشبههم.

فكما أسقط اللبنانيون وصاية دمشق عام 2005، حان الوقت اليوم لقرار وطني حاسم ينهي نفوذ الحرس الثوري ومرتزقته في لبنان… لأن زمن الوصايات انتهى، وزمن الدولة قد بدأ..