بين سويسرا الغرب وسويسرا الشرق... الأمر مختلف


مع كل اتفاق يُعقد بين الولايات المتحدة وإيران، يعود اللبنانيون إلى السؤال نفسه: أين موقع لبنان؟ وهل يُنظر إليه كدولة ذات سيادة ومصالح وطنية مستقلة، أم مجرد ساحة ملحقة بصراعات الآخرين؟

الاتفاق الأميركي–الإيراني الأخير أعاد إحياء هذا الجدل. فبينما سارع أنصار محور إيران إلى اعتباره انتصارًا سياسيًا واستراتيجيًا، مستندين إلى البند المتعلق بوقف العمليات العسكرية على مختلف الجبهات، بما فيها لبنان، فإن قراءة أكثر هدوءًا وواقعية تطرح أسئلة مختلفة تمامًا.

فإذا كان ما جرى بالفعل انتصارًا للبنان، فلماذا لم يتضمن الاتفاق أي نص واضح حول انسحاب إسرائيل من الأراضي اللبنانية المحتلة؟ ولماذا اقتصر الحضور اللبناني على بند أمني يتعلق بوقف إطلاق النار، فيما غابت القضايا المرتبطة بالسيادة والحدود والاحتلال وحقوق الدولة اللبنانية؟

الحقيقة أن الاتفاق، كما يبدو، يعكس أولويات الأطراف الموقعة عليه، لا أولويات اللبنانيين. فهو يتعامل مع لبنان باعتباره جزءًا من ملف إقليمي أوسع، لا كدولة تمتلك قرارها المستقل ومصالحها الخاصة. وهنا تكمن المشكلة الأساسية التي عانى منها لبنان لعقود: ربط مصيره بمشاريع ومحاور تتجاوز حدوده ومصالح شعبه.

من هذا المنطلق، يصبح فصل المسار اللبناني عن المسار الإيراني ضرورة وطنية لا مجرد خيار سياسي. فلبنان لا يمكنه الاستمرار في دفع أثمان الصراعات الإقليمية، ولا يجوز أن يبقى أمنه واستقراره ومستقبل أبنائه رهينة المفاوضات الجارية بين عواصم أخرى.

إن الضمانة الحقيقية لوقف الحرب على الساحة اللبنانية لا تأتي من تفاهمات إقليمية عابرة، بل من مسار دبلوماسي لبناني واضح تقوده الدولة اللبنانية وحدها، ويهدف إلى تثبيت الأمن والاستقرار واستعادة كامل الأراضي اللبنانية المحتلة. كما أن أي تسوية مستدامة تتطلب احتكار الدولة لقرار الحرب والسلم، وحصر السلاح بيد المؤسسات الشرعية، بما ينسجم مع الدستور ومبدأ السيادة الوطنية.

لقد أثبتت التجارب أن الدول لا تُبنى بالساحات المفتوحة ولا بالولاءات العابرة للحدود، بل بالمؤسسات والسيادة ووحدة القرار. ومن حق اللبنانيين أن يرفضوا تحويل وطنهم إلى ورقة تفاوض في يد أي قوة إقليمية أو دولية، أياً كانت هويتها أو شعاراتها.

لبنان ليس بندًا في اتفاق بين واشنطن وطهران، ولا ينبغي أن يكون كذلك. لبنان دولة لها حقها في أن تفاوض باسمها، وأن تدافع عن مصالحها، وأن تصنع مستقبلها بقرار لبناني حر ومستقل.