بين نار الجنوب وسيف العقوبات: لبنان تحت ضغط مالي وعسكري

ما قاله وزير الأمن الإسرائيلي يسرائيل كاتس بشأن احتلال أراضٍ جديدة في جنوب لبنان ليس جديداً، لكنه اختار أن يخرجه إلى العلن. كل هذا السيناريو كانت إسرائيل قد وضعت الولايات المتحدة الأميركية في أجوائه وكانت قد نقلته عبر جهات دبلوماسية عديدة إلى المسؤولين اللبنانيين. يبقى الأساس في توقيت إعلانه المرتبط بالحسابات الانتخابية بالتأكيد، ولكنه يعبّر عن رؤية واضحة لحكومة نتنياهو التي لن تتخلى عن خططها. صحيح أن الإسرائيليين ربطوا إخلاء كل الجنوب حتى نهر الأولي، وإعادة إخلاء الضاحية الجنوبية، واحتلال أراضٍ جديدة بأي عمليات عسكرية قد ينفذها حزب الله أو في حال انضم الحزب إلى القتال إلى جانب إيران، لكن ذلك يشير إلى التعاطي الإسرائيلي مع حتمية الحرب ضد إيران أولاً، وثانياً يعبر عن حقيقة ما يريده ويرسمه الإسرائيليون للجنوب.

 

خطة الزهراني

قبل أيام، نشرت "المدن" تقريراً بعنوان "المنطقة أمام خرائط الحرب والنار.. الزهراني بمرمى الحسابات" وكان واضحاً حول ما تسعى إسرائيل إليه مع الولايات المتحدة الأميركية لجهة إقناعها بضرورة تجديد الحرب على إيران واستهداف حوالي 500 هدف من محطات الطاقة والكهرباء والمنشآت النووية والبنى التحتية في محاولة لتغيير كل موازين القوى في الداخل الإيراني وفتح الطريق أمام إسقاط النظام، وهو ما نشر لاحقاً في وسائل إعلام أميركية من بينها أكسيوس. ولكن ما تضمنه تقرير "المدن" أيضاً هو النية الواضحة لدى إسرائيل في توسيع احتلالها في الجنوب إلى مشارف نهر الزهراني والسيطرة على مصفاة الزهراني في إطار السعي الإسرائيلي للضغط على لبنان ليس عسكرياً وسياسياً فقط، بل اقتصادياً ونفطياً.

 

حرب بانتظار الذريعة

ترسم إسرائيل خطتها بوضوح، وتعمل على تسريب أخبار حول تعزيز حزب الله انتشاره في الجنوب ولا سيما في جبل الريحان وإقليم التفاح، وهو ما يعني أنها تمهد الأرضية أمام تنفيذ عملية عسكرية جديدة، تريد إيجاد ذريعة لها، وقد تنتظر ذريعة من حزب الله، أو قد تخترع بنفسها الذريعة التي تحتاجها لشن الحرب، هذه الحرب التي ستكون حتمية بغض النظر عما إذا كانت قبل الانتخابات أم بعدها، لأن المشروع الإسرائيلي واضح ولا إمكانية لتحقيقه إلا بالحرب، خصوصاً أن كل الضغوط السياسية ومحاولات فرض التنسيق على الدولة اللبنانية أمنياً وعسكرياً لم تنجح، وكذلك تجربة المناطق التجريبية لم تنجح، وأن تل أبيب توجه المزيد من الاتهامات إلى الحكومة بأنها فشلت في أداء مهمتها لسحب سلاح الحزب. وتسعى تل أبيب مع واشنطن لإقناعها بالبحث عن خيارات أخرى.

 

الضغط الأميركي

يتطابق ذلك مع غضب أميركي يتم التعبير عنه بشكل يومي من الدولة اللبنانية ومن قدرة حزب الله على إدخال مبالغ مالية والإعلان عن برنامج المساعدات والإيواء، وهو الأمر الذي استدعى ثلاثة تصريحات من الخارجية الأميركية التي تنفي فيها قدرة إيران على تمويل الحزب. لا بد لهذه التصريحات الأميركية أن تعكس إجراءات معينة تعمل واشنطن على دراستها وهي تتضمن المزيد من الضغط على الدولة اللبنانية وعلى حزب الله، لا سيما أن واشنطن لم توقف ضغوطها على الجيش اللبناني لدفعه إلى سحب سلاح الحزب، وصولاً إلى التلويح بفرض عقوبات، وهذا التهديد الذي تجدد بعد إعلان الحزب عن برنامجه سيدفع الأميركيين إلى تكثيف ضغوطهم على جهات عديدة في لبنان عسكرياً وأمنياً وقضائياً لأجل تطويق الحزب مالياً ومنعه من إدخال الأموال، أو منع استفادته من مؤسسات الدولة اللبنانية. المؤكَّد أن هناك نقاشات كثيرة داخل واشنطن حول كيفية إدخال الأموال من قبل الحزب، والمؤكَّد أيضاً أن مثل هذا المسار سيطول والضغوط ستشتد لأن ما تريده أميركا هو تحقيق انقلاب كامل وشامل في لبنان على المستوى السياسي والعسكري.