بين هدنة منقّحة ومبادرة بيروت: قطار أيار يشق مسار التفاوض

لم يعد ملفّ الهدنة بين لبنان وإسرائيل تفصيلا ديبلوماسيًّا عابرًا، ولا مجرّد استعادة لاتفاقية وُقّعت عام 1949 ثم سقطت تحت وقع الحروب والتحوّلات الإقليمية. فبحسب المعطيات الدبلوماسية، دخل لبنان الرسمي مرحلة جديدة عنوانها البحث عن هدنة منقّحة مع إسرائيل، تُنهي الحرب المفتوحة في الجنوب وتؤسّس لترتيبات أمنية طويلة الأمد، من دون الوصول إلى اتفاق سلام كامل أو تطبيع سياسي ودبلوماسي في هذه المرحلة.

ينطلق عمليًا قطار المفاوضات الجديدة بين لبنان وإسرائيل برعاية أميركية مباشرة في 14 أيار، وسط تكتّم رسمي على المدى الذي ستبلغه المفاوضات. إلا أنّ أوساطًا مواكبة تؤكد أنّ ما يجري يتجاوز البحث في وقف إطلاق النار، ليصل إلى محاولة رسم واقع أمني جديد على الحدود الجنوبية بعد سقوط قواعد الاشتباك القديمة تحت نار حرب غزة وتداعياتها اللبنانية.

وتعود جذور هذا المسار إلى اتفاقية الهدنة الموقّعة في 23 آذار 1949 برعاية الأمم المتحدة بعد نكبة فلسطين. يومها، نصّت الاتفاقية على وقف الأعمال العسكرية واحترام الحدود الدولية وإنشاء لجنة مشتركة لمعالجة الخروقات. وبقيت الجبهة اللبنانية لعقود الأكثر هدوءًا بين الجبهات العربية، قبل أن تبدأ الاتفاقية بالتآكل مع انطلاق العمليات الفلسطينية من لبنان، واستباحة الجنوب، وتشريع العمل الفدائي من خلال اتفاقية القاهرة عام 1969، ودخول لبنان مرحلة جديدة من الصراع المفتوح.

تؤكد مصادر سياسية أنّ الدولة اللبنانية لا تبحث عن استنساخ اتفاقية الهدنة، بل عن تطويرها بما يتلاءم مع الوقائع الجديدة. فالقرار الدولي، وفق ما تكشفه الكواليس، اتخذ بمنع بقاء الجنوب ساحة مفتوحة للحرب وللاحتلال الإيراني عبر "حزب الله"، فيما تبدو الضغوط كبيرة للوصول إلى تفاهمات تُبعد شبح المواجهة الشاملة عن الحدود الجنوبية.

وبحسب المعلومات، فإنّ المقاربة اللبنانية تقوم على الوصول إلى اتفاقات أمنية واضحة مع إسرائيل، تُنهي حالة الحرب المستمرة منذ عقود، لكن من دون الذهاب إلى تبادل دبلوماسي أو فتح سفارات أو توقيع اتفاق سلام على غرار ما حصل مع بعض الدول العربية. وتحاول بيروت التمسّك بخط دقيق، أي تهدئة طويلة الأمد من دون الوصول حاليًا إلى التطبيع الكامل.

وفي موازاة ذلك، أبلغ لبنان الرسمي الجهات الدولية المعنية، ولا سيما الأميركيين والفرنسيين والسعوديين، التزامه الكامل بالمبادرة العربية للسلام التي أُطلقت من بيروت عام 2002. ومن خلال هذا الموقف، يريد لبنان القول إنّه لا يخرج من العباءة العربية، وإنّ أي تفاهم مع إسرائيل يجب أن يبقى تحت سقف التسوية الإقليمية الشاملة المرتبطة بالموقف العربي.

لكنّ السؤال الذي يتردّد في الكواليس يبقى أكثر تعقيدًا: هل تقبل واشنطن وتل أبيب بإحياء منطق الهدنة وربط أي تسوية بالمبادرة العربية؟ حتى الآن، تبدو الأولويات الأميركية أمنية أكثر منها سياسية. فالإدارة الأميركية تركّز على نجاح التفاوض ومنع أي تهديد مستقبلي بحرب تستفيد منها إيران، فيما تبدو الحكومة الإسرائيلية الحالية بعيدة عن أي مسار سياسي شامل يقوم على مبدأ "الأرض مقابل السلام" الذي طرحه العرب.

وتقول أوساط دبلوماسية إنّ إسرائيل قد تُبدي مرونة حيال ترتيبات أمنية تضمن هدوء الجنوب اللبناني لسنوات، لكنها في المقابل لن تكون متحمّسة لإعادة إحياء مبادرة بيروت العربية أو فتح الباب أمام تسوية إقليمية واسعة، وخصوصًا في ظل موازين القوى الحالية داخل إسرائيل، إذ تضع شرطًا أساسيًا، وهو تسليم سلاح "حزب الله" وإقفال ساحة الجنوب.

ومن المتوقع أن تدور مفاوضات صعبة حول تثبيت الحدود البرية، ومعالجة النقاط المتنازع عليها، ووقف الخروقات الجوية الإسرائيلية، إضافة إلى مستقبل الوضع الأمني جنوب الليطاني. وهنا تحديدًا تكمن العقدة الكبرى، لأن أي تفاهم لن يكون قابلًا للحياة ما لم يُحدد دور "حزب الله" وسلاحه في المرحلة المقبلة.

دخلت المنطقة مرحلة جديدة، ويبدو الجنوب اللبناني في قلب إعادة رسم التوازنات. أما ما إذا كانت مفاوضات 14 أيار ستنجح في إطلاق مسار إنتاج هدنة منقّحة، أو ستبقى مجرّد إدارة موقتة للصراع، فذلك سيحدّده مسار التسويات الكبرى التي تُطبخ بين واشنطن وطهران وتل أبيب في آن واحد.