بين هواجس السياديين وتحولات الإقليم: هل يعيد الاتفاق الأميركي–الإيراني رسم التوازنات في لبنان؟

بقلم الكاتب فرنسوا الجردي


بين هواجس السياديين وتحولات الإقليم: هل يعيد الاتفاق الأميركي–الإيراني رسم التوازنات في لبنان؟


الاتفاقات الكبرى لا تُترجم دائماً انتصارات محلية
منذ عقود، شكّل لبنان إحدى ساحات التفاعل المباشر وغير المباشر بين الولايات المتحدة وإيران. لذلك، كلما ظهرت مؤشرات إلى تفاهم أو تهدئة بين الطرفين، ترتفع في الأوساط السيادية اللبنانية المخاوف من أن يأتي ذلك على حساب مشروع الدولة وسيادتها، وأن يتحول لبنان مجدداً إلى ورقة تفاوضية تُمنح فيها إيران هامشاً إضافياً للحفاظ على نفوذ حلفائها.

لكن التجارب السابقة تُظهر أن أي اتفاق أميركي–إيراني لا يعني بالضرورة تسليماً أميركياً بالنفوذ الإيراني في لبنان. فالولايات المتحدة تنظر إلى ملفات المنطقة بمنطق المصالح الاستراتيجية الكبرى، فيما تسعى إيران إلى تثبيت أوراق قوتها الإقليمية. وبين هذين المسارين تبقى الساحة اللبنانية محكومة بعوامل داخلية لا تقل أهمية عن التفاهمات الخارجية.


هاجس السياديين: هل يصبح لبنان ثمناً للتسويات؟


تنطلق القوى السيادية، ولا سيما الكتائب والقوات اللبنانية ومجموعات سياسية وشعبية أخرى، من قناعة مفادها أن أي انفتاح أميركي على طهران قد يؤدي إلى:

• تخفيف الضغوط الدولية على إيران.
• منح "حزب الله" فرصة لإعادة ترتيب وضعه الداخلي.
• إبطاء مسار حصر السلاح بيد الدولة.
• تكريس واقع الازدواجية بين الدولة والحزب.
• إضعاف الزخم الدولي الداعم للمؤسسات الشرعية اللبنانية.

هذه المخاوف تستند إلى تجارب تاريخية شهد فيها لبنان فترات من التسويات الإقليمية التي أدت إلى تجميد النزاعات بدل حلّها جذرياً.
قراءة أعمق: ما الذي تغيّر فعلاً؟
إيران اليوم ليست إيران الأمس.

رغم أي تفاهم محتمل مع واشنطن، تواجه إيران مجموعة تحديات تجعل قدرتها على فرض معادلاتها السابقة أكثر تعقيداً.

أولاً: الضغوط الاقتصادية.
ثانياً: التحولات الإقليمية.
ثالثاً: تبدّل البيئة اللبنانية.

الأزمة المالية والانهيار الاقتصادي أضعفا النموذج السياسي التقليدي برمته، بما فيه القوى المرتبطة بالمحاور الإقليمية المختلفة.


الحزب بين القوة العسكرية وتراجع القدرة السياسية


صحيح أن "حزب الله" لا يزال يمتلك عناصر قوة مؤثرة، لكن ذلك لا يعني أنه قادر على إعادة إنتاج المعادلة التي حكمت لبنان خلال العقدين الماضيين.

فقد برزت متغيرات أساسية:
• تراجع الموارد المالية مقارنة بمراحل سابقة.
• تصاعد الاعتراض الشعبي على المنظومة السياسية ككل.
• تنامي المطالبة العربية والدولية بإصلاح الدولة.
• توسع النقاش الداخلي حول مفهوم السيادة وبناء المؤسسات.

لذلك فإن أي اتفاق أميركي–إيراني قد يمنح الحزب فترة تنفس سياسية، لكنه لا يؤمن له بالضرورة استقراراً دائماً أو شرعية وطنية أوسع.
السيناريو الأكثر ترجيحاً: لا حسم ولا انهيار
الاحتمال الأقرب ليس انتصار محور على آخر، بل استمرار مرحلة طويلة من إدارة التوازنات.

في هذا السيناريو:
• يبقى الحزب لاعباً أساسياً.
• تستمر الضغوط الدولية للمطالبة بإصلاحات الدولة.
• يتواصل السجال حول السلاح والسيادة.
• تتقدم المؤسسات ببطء شديد.
• يبقى لبنان تحت رقابة عربية ودولية تمنع انهياره الكامل.
التحدي الحقيقي للسياديين: الانتقال من المعارضة إلى المشروع الوطني
أحد الأخطاء التي وقعت فيها القوى السيادية خلال مراحل سابقة هو اختزال مشروعها بمواجهة "حزب الله" فقط.

أما اليوم، فالتحدي الأكبر يكمن في تقديم نموذج دولة متكامل يشمل:
• إصلاح القضاء.
• مكافحة الفساد.
• بناء اقتصاد منتج.
• تعزيز استقلالية المؤسسات.
• استعادة ثقة الشباب اللبناني بالدولة.
كيف يمكن تدعيم الفريق السيادي؟
أولاً: توحيد الخطاب السياسي.
ثانياً: مخاطبة جميع اللبنانيين.
ثالثاً: ربط السيادة بالإصلاح.رابعاً: الاستثمار في المجتمع المدني والشباب.
خامساً: تعزيز العلاقات العربية والدولية.


الخلاصة: لبنان لن يُحسم في واشنطن ولا في طهران
قد يثير أي اتفاق أميركي–إيراني مخاوف مشروعة لدى القوى السيادية، لكن التجارب أثبتت أن مستقبل لبنان لا يُقرر بالكامل في المفاوضات الدولية.

التحدي أمام السياديين اليوم ليس فقط منع تكريس نفوذ "حزب الله"، بل إثبات أن لديهم رؤية عملية لبناء دولة قادرة وعادلة. فحين يصبح مشروع الدولة أكثر جاذبية من مشاريع المحاور، يتحول التوازن السياسي تدريجياً لمصلحة السيادة والمؤسسات، بغض النظر عن اتجاه الرياح الإقليمية أو طبيعة التفاهمات الدولية.